دشّن الليبيون الطريق الوعر نحو مرافئ الاستقرار، بعد طول توتّر ومسلسل اغتيالات طالت أبرز الشخصيات الأمنية، وبدأت السفينة تمخر عباب بحر متلاطم الأمواج، ببدء بسط نفوذ الدولة وتسلّمها مسؤولية الأمن بوضع يدها جزئياً على السلاح المنتشر في الأيدي، لا سيّما المليشيات التي قضّت ولا تزال مضاجع الأمن، خاصة بعد ما أحدثته من اضطرابات راح ضحيتها العشرات من المدنيين.
ويأتي انسحاب بعض المليشيات من طرابلس تحت وابل الضغط الشعبي، لا سيّما في العاصمة طرابلس كأولى خطوات إعادة الأمن إلى الشارع، الذي فارقت عينيه نعمة الطمأنينة منذ سقوط القذافي، وآن لهم حصاد غرس غذته دماء الآلاف.
ولعل اللحظة التاريخية التي يعيشها الليبيون تقتضي منهم، مدنيون وعسكريون، وعياً كبيراً وتفهّماً أكبر لطبيعة الظروف التي تمر بها البلاد، وذلك عبر الالتفاف حول حكومة زيدان أياً كانت الآراء حولها، من أجل وضع أولى لبنات ليبيا الجديدة. ولا يتأتى هذا الأمر قطعاً إلا عبر الترفّع عن الصغائر، والعمل يداً واحدة على الخروج بالبلاد من دوامة العنف والانفلات الذي يعيشه بعض مناطقها بين الحين والآخر.
لا مكان قطعاً لليبيا جديدة تنحو في اتجاه الأمن والاستقرار، في وجود المليشيات المسلّحة، إذ تقتضى اللحظة الراهنة حصر السلاح ومهمة بسط الأمن، في يد القوات النظامية من جيش وشرطة، وعودة عناصر المليشيات إلى صفوف الجماهير بعد أن أدّت دورها في خلق الواقع الجديد، كما على الدولة محاولة إدماج هذه العناصر في المجتمع بكافة تشكيلاته، حتى تخلق الجو الملائم لانتقال سلس نحو الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي ورفاه الشعب.
اللحظة التاريخية التي تمر بها ليبيا تتطلب تعاوناً وإيثاراً في سبيل الوطن، لا صراعاً من أجل كسب المغانم، كما تقتضي الالتفاف من الجميع حول الحكومة القائمة، حتى تتمكّن ليبيا الجديدة من تلمّس طريقها نحو الغد المنشود.