في معظم الحروب الأهلية إن لم يكن جميعها تتقاطع عناصر خارجية مع داخلية. ليبيا تبدو بمثابة استثناء، فالليبيون وحدهم مسؤولون عن متاهة الفوضى الحالية التي تهدد بانزلاق الوطن إلى مستنقع حرب أهلية طاحنة وممزقة.
النخب الليبية أهدرت فرص بناء دولة خارجة من رحم ثورة مكلفة أطاحت نظاماً أخرجها عن مسار التقدم عشرات السنين. النوبات غير العقلانية مبررة باعتبارها ظاهرة طبيعية لانفجار عارم، يعقب قمعاً قاسياً وقهراً مطولاً، لكن تحول النوبات الفجائية إلى ظاهرة سائدة يفضح فشلاً ذريعاً فوق كونه يفضي حال استمراره إلى هاوية بلا قرار.
أمام الليبيين مهام بناء دولة تكتسب هيبتها من مؤسساتها الفاعلة الناهضة بمهامها وواجباتها تجاه شعبها بدلاً من دولة الإرهاب والخوف القائمة على تكريس سلطة الفرد.
دولة الثورة أخفقت في التصدي لهذا الواجب الوطني الملح، إذ عجزت الدولة الجديدة عن بناء مؤسسات فاعلة قادرة على النهوض بواجباتها، ومن ثم فرض هيبتها واحترامها على المستويين الرسمي والشعبي.
فالمؤسسات العسكرية لا تجسد سيادة الدولة، ومن ثم ليست مؤهلة لفرض تلك السيادة على الأرض، بل حتى الحكومة عجزت عن دورها كسلطة تنفيذية حاكمة، ولم تعد الدولة قادرة على بسط نفوذها فتوغلت ليبيا في حالة تشظٍ على كل المستويات، أقاليم تتمرد على الدولة المركزية ميليشيات ترفع السلاح في وجهها جهات تضع يدها على قطاع النفط.
ربما يكون لانتشار السلاح بعد انهيار ترسانة القذافي دور في هذه الفوضى لكن ذلك لا يعفي النخب الليبية من مسؤولياتها.
قد تكون الفيدرالية خياراً ليبياً عقلانياً لكن ذلك الخيار يجب التراضي عليه وليس فرضه بقوة السلاح أو المال أو الاستقواء على الدولة بالقبلية أو الجهوية والثارات القديمة.