عاد مسلسل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية ليدخل حلقة جديدة من حلقات الأزمات التي ما فتئت تطل برأسها. فمع الحديث عن وصول تلك المحادثات إلى طريق مسدود و«انفجار» وشيك وإعلان فشل قريب، يغيب الوسيط الأميركي عن الساحة وسط انشغاله بأكثر من ملف يبدو أنه يحوز اهتماماً أكبر من ملف السلام في منطقة الشرق الأوسط، من قبيل المسألة النووية الإيرانية والأزمة السورية، بل وحتى موضوع رفع سقف الدين، داخلياً.
وكعادتها، تسرب إسرائيل أحاديث عن نية أو اقتراح بتبادل أراضٍ في محاولة مكشوفة للإيحاء بأن كل شيء على ما يرام، أو بغرض إحداث نوع من البلبلة والارتباك في أوساط المفاوضين، الهدف منه في نهاية المطاف وضع المزيد من إشارات الاستفهام والتشويش على أي احتمال أو جهد يمكن أن يمارس من هنا وهناك لإحداث اختراق مؤمل على صعيد المفاوضات.
والحال، إن استمرار حكام تل أبيب في سياساتهم تلك لن يوصل السلام سوى إلى طريق مسدود. فمن بناء استيطاني لا تتوقف وتيرته، بل وترتفع، إلى تعنت وعدم القبول حتى بأي حلول وسط، مروراً بتواصل الاعتداءات والاقتحامات والتنكيل، تبدو إسرائيل أكثر من أي وقتٍ مضى مصرة على تجاهل استحقاقات ومتطلبات السلام الحقيقي والجوهري الذي لا غنى عنه بالنسبة إلى استقرار وأمن المنطقة. ومن هنا، تبدو مهمة الراعي الأميركي عسيرة أيضاً، خاصة بالنظر إلى أن محادثات السلام لا تأخذ حيزاً واضحاً في أجندة واشنطن، التي كانت أساساً تغض النظر عن تجاوزات وانتهاكات الإسرائيليين منذ عشرين عاماً، تاريخ توقيع اتفاقية أوسلو، إن لم يكن منذ عقود.
من الجلي أن الشرق الأوسط لا يحتاج عاملاً جديداً من عوامل التوتر. فالمنطقة تعج بالاضطرابات والتحديات. والغياب الأميركي، سواءً كان متعمداً أم لا، لا يفيد أحداً سوى إسرائيل التي تعتاش على المشاكل واضطهاد الآخرين والتعدي على حقوقهم. فهل تتنبه القوى الكبرى إلى مخاطر السياسات الإسرائيلية؟.