لم يكن ما يعرف بالربيع العربي ربيع ثورات فحسب، بل كان نقطة تحول تاريخية في حياة الشعوب العربية، التي كسرت حاجز الخوف ولا ترضى إلا أن تعيش حياة حرية وعدالة يكون فيها القانون سيدا على الجميع، وتكون الكلمة الأولى والأخيرة في اختيار الحاكم والسلطة للشعب وحده، حيث أعطت الثورة في تونس وليبيا ومصر على مرتين (ثورة 25 يناير وثورة 30 يونيو) دروسا للعالم في الانطلاق نحو التحول الديمقراطي.

ولا شك أن الأحداث في تونس تأثرت بشكل واضح بما جرى ويجري في مصر من تصحيح ومحاسبة رموز نظام الرئيس المعزول محمد مرسي، في إطار القانون والعدالة، وهو ما أعطى إشارات قوية للنظام القائم في تونس على أن محاولة فصيل واحد للسيطرة على مفاصل الدولة أمر لم تعد تقبله الشعوب.

وما حركة "تمرد" التونسية التي استمدت اسمها من حركة "تمرد" المصرية، إلا دليل واضح على رفض المجتمع التونسي لمحاولات الاستحواذ على جميع السلطات وإبعاد كل من له رأي مخالف وإقصائه من الحياة السياسية، والتحكم في جميع مؤسسات الدولة باسم الدين، وهو الأمر الذي أدخل هذا البلد في حال انفلات أمني من جهة مع تزايد حركة المتشددين، ومن جهة أخرى ظهور الاغتيالات السياسية وظاهرة التصفية على أساس الرأي، وهو ما أودى بحياة المعارضين البارزين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

ويبدو أن مقولة دوام الحال من المحال تترجم الآن فعليا على أرض تونس، لا سيما وهي من أنجبت القائل: «إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر»، حيث لم يعد للترويكا الحاكمة إلا أن تتجاوب مع المطالب الشعبية لتفادي السيناريو الأكثر عنفا وعدم استقرار، وهو ما ظهرت بوادره أول من أمس.

حيث برزت ملامح انفراج في الأزمة التونسية بإعلان الاتحاد العام للشغل انطلاق حوار وطني بين الفرقاء السياسيين غدا، وستعلن المنظمات الأربع الراعية للحوار عن خريطة طريق جديدة تمتد إلى ثلاثة أسابيع، بالارتكاز على قاعدة استقالة الحكومة والإبقاء على المجلس التأسيسي، وتشكيل حكومة كفاءات وطنية.