تعيش تونس أزمة سياسية خانقة، يتصاعد فيها الاستقطاب بصورة حادة بين القوى العلمانية والإسلاميين وسط تصاعد التحشيد في الشوارع، وتتصاعد بالتالي المخاوف من انزلاق تونس في مواجهات لا تخلو من عنف، وهذا سيعقد الأزمة، دون أدنى شك، ويزيدها اختناقا على اختناق.

على الرغم من أن تونس تعيش مرحلة الانتقال من الثورة إلى تأسيس نظام ديمقراطي جديد، إلا أنها دخلت في نطاق أزمة سياسية ودستورية، بعد تصاعد الأحداث بشكل مفاجئ. وما يجري على أرض الواقع ينذر بأن تونس باتت على فوهة بركان سياسي، خصوصا بعد مقتل المعارض محمد البراهمي، مما دفع بها إلى أزمة تفكك تعاني منها مؤسسات الدولة، بل وأصبحت البلاد مهددة بالدخول في موجة من العنف والقتل والتخريب.

ننظر اليوم إلى المشهد السياسي في تونس، فنرى أننا فعلاً إزاء أزمة ثقة. فالسياسيون كافة يرفضون الاعتراف بالفشل، والكل يتراشق بالتهم ويحمل خصمه مسؤولية عجزه، في عزلة تامة عن الشارع التونسي الذي أصبح منقسماً إلى شقين، شق رافض للجميع، وشق منصرف تماما عن السياسة ومقتنع بأنها حكر على أهلها يوزعون بينهم الكراسي في صراع لا يبقى فيه إلا الأقوى، ما يؤكد جليا أنّ الأزمة السياسيّة اليوم لا تكمن فحسب في ظاهر التجاذُبات الحادّة والوهن الأمنيّ.

والاحتقان العام، بل في الانتقال من الصراع داخل مؤسّسات الدولة والمجتمع، إلى صراع في الشوارع والساحات، مع ما يعنيه ذلك من إمكان الانزلاق التدريجيّ إلى الفتنة، ما يستدعي من عقلاء تونس الاستفادة مما يحدث في مصر من أزمة تلطخت بالدم، لتجنيب وطنهم مخاطر الانقسام والتشرذم.

تونس في مفترق طرق، لذا فإن تغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الحزبية الضيقة، والارتقاء إلى مستوى المسؤولية التاريخية، تقتضي تحديد رؤية واضحة وموحدة حول القضايا الأساسية، تقوم على الانتقال الديمقراطي السلمي، والعمل على آفاق واسعة لإقرار دستور جديد، وإجراء انتخابات رئاسية، من أجل التوصل إلى نتائج ملموسة والخروج بالبلاد من الوضعية الاستثنائية إلى دولة مؤسسات، تحافظ على المكتسبات التي تحققت في مجالات كثيرة.