ما من شك في أن الملف العراقي يعتبر من أعقد وأكثر الملفات الشائكة في منطقتنا وما أكثرها، حيث يتداخل فيه العديد من التفرعات والتراكمات التي تزحف من الماضي جالبة العديد من الأزمات الحاضرة، ولئن كانت خطوات التصالح التي سعت إليها أطراف العملية السياسية العراقية خلال الأيام الماضية، انعكست بالإيجاب بصورة نسبية على أرض الواقع، فإن التفاؤل المفرط تجاه نتائج هذا التصالح ستبقى هشّة، إن لم تتم الاستفادة من دروس سابقة.
لقد تكررت مشاهد «العناق» و«المصافحة» بين أطراف المشهد العراقي في أكثر من محطة خلال السنوات العشر الماضية، وما إن تطوى بعض صفحات الأيام الهادئة حتى يعود خطاب التخوين والإقصاء السياسي والاتهامات بين مختلف الأطراف، لينعكس بعد ذلك في مرآة الشارع العراقي بصورة سيارات مفخخة وعبوات ناسفة واغتيالات تسيل أنهاراً من دماء الأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في ما يجري من صراع بين الزعماء والساسة، لينبري الجميع بعد ذلك لإدانة تلك العمليات الإرهابية ويلقوا باللوم بعضهم على بعض، والخاسر الوحيد في المعادلة هو الشعب العراقي ولا أحد غيره.
لن يستقر العراق ولن يهنأ أهله بالأمن والأمان ـ هذا إذا ما استثنينا العوامل الخارجية التي لها شأن آخر ـ ما لم يتفق قادة العراق وزعماؤه السياسيون على أفق ومبادئ محددة للخروج بالبلد من المأزق الذي هو فيه، والالتقاء في منتصف الطريق. ولا يعني ذلك التصالح مع من ثبت تورطه في قتل العراقيين، بل يعني الاستفادة من تجارب مرت على شعوب وبلدان أخرى خرجت من أتون حروب وصراعات مهلكة، ليرتقوا بعد ذلك إلى مصاف الدول المتحضرة والمتقدمة، ويكفي للدلالة على ذلك النموذجان الألماني والياباني بعد الحرب العظيمة، والنموذج الجنوب إفريقي في مثال الحرب الأهلية.
إننا نبارك كل خطوة تهدف إلى حقن دماء الشعب العراقي الشقيق وتعيد الأمن والأمان إلى ربوع بلاد الرافدين، وفي ذات الوقت ندعو ساسة العراق إلى أخذ عبر الماضي كي لا تتكرر المآسي والنكبات.