لا يكاد يمر يوم إلا وبغداد تتخضب بالدماء وتتنفس رائحة البارود والديناميت، في حصاد عبثي من تفجيرات وعنف وقتل، بسبب ما يجري من تفجيرات دامية تحصد بعبثية وإجرام مئات الأنفس البريئة، التي تحولت إلى مجرد «أرقام» تحصيها وكالات الأنباء والجهات المختصة.

إن الساحة العراقية معقدة ومتداخلة في ملفات لا يمكن تسطيحها أو المرور من خلالها، دون انفجار ألغام متراكمة عبر عقود، مروراً بتراكمات النظام السابق وإشكاليات النظام الحالي وصراعات الساسة فيه.

ورغم المسؤولية الملقاة على عاتق أطراف المشهد العراقي بأكمله بشأن ما وصل إليه البلد من خراب ودمار وقتل، إلا أن طرفاً رئيسياً بات منسياً أو هو يتعمد أن يتم تناسيه لأسباب كامنة في ذهنه، وكأنه يخلي مسؤوليته مما يجري في العراق حالياً، ألا وهو الطرف الأميركي الذي يتحمل مسؤولية كبيرة عن تطورات الأوضاع في بلاد الرافدين، منذ تدخل واشنطن العسكري لإسقاط النظام السابق عام 2003، وراء مبررات ثبت فيما بعد أنها كانت مزيفة ومختلقة.

فالأخطاء القاتلة التي ارتكبتها الإدارة الأميركية السابقة، بحل الجيش والشرطة السابقين قبل التأسيس لهيكل جديد للقوات المسلحة العراقية، والخطأ الفادح الذي ارتكبته بإقرار نظام «المحاصصة» الذي يدفع العراقيين ثمنه غالياً الآن.

كل ذلك يضع المسؤولية الحقيقية على عاتق الولايات المتحدة في تدهور الأمور بعد ذلك، ويحملها مسؤولية إنسانية وسياسية كبرى في العمل على إصلاح بعض ما ارتكبته من أخطاء ولو بشكل متأخر.

 وهذه ليست دعوة للتدخل في الشأن العراقي، وإنما لأن الإدارة الأميركية تعرف جيداً كيف تدير الأمور وتضغط على مختلف الأطراف، للوصول إلى حلول تصل بالعراق إلى بر الأمان، أو تكبح تدهور الأوضاع، أمنياً وسياسياً على الأقل.

فالمتابع للشأن العراقي يستغرب التراجع الأميركي تجاه ما يجري هناك، وكأن العراق لم يكن قبل هذا التاريخ خاضعاً لحكم الاحتلال عدة سنوات، أو كأن هذا البلد العربي لا يشكّل أهمية للمصالح الأميركية والدولية.. وهنا يجب أن توضع ألف علامة استفهام بشأن السياسة الأميركية الخارجية ورؤيتها للأحداث.