لا شك أن هجوم قوات عراقية على ساحة التظاهرات في مدينة الحويجة جنوب كركوك، سيشكل نقطة تحول غير محمودة في مسيرة المشهد السياسي المتوتر في العراق، في ظل أزمة ثقة تتعمق بين سكان غرب وشمال العراق وبين الحكومة المركزية.

مشهد الأمس الدامي الذي قتل فيه 27 شخصاً يلفه الغموض، ويبدو وجود إشكالية أمنية وراء الهجوم، أهمها أن هناك متهمين بمهاجمة نقطة أمنية يحتمون بين المتظاهرين، بحسب رواية السلطات العراقية. على الجانب الآخر، يقول المتظاهرون إن الهجوم كان بسبب مطالبهم السياسية.

ما يهم في العراق حالياً ليس تشخيص الحوادث الأمنية وإلقاء اللوم على هذا الطرف أو ذاك، إذ إنه رغم أهمية تحديد المسؤولية عن عمليات قتل تحصد عشرات الأرواح، إلا أن ما يواجه العراق يحتاج إلى تضافر جهود كافة أبنائه، فالتقسيم ليس خرافة في بلاد الرافدين.

الخطورة الحقيقية ليست في المخططات، بل في وجود تقارب بين ما تختزنه النفوس وبين المشاريع التقسيمية، فالتباين السياسي والاجتماعي بات مخيفاً أكثر من أي وقت مضى، ذلك أنه لم يسبق أن كان وارداً أن تصبح هناك تيارات سياسية تدعو إلى الفيدرالية في غرب العراق أو جنوبه، رغم أن الدستور يكفل لهم ذلك.

 المشكلة تكمن في أنه للوصول إلى تقبل اجتماعي وشعبي لمثل هذه الرؤى، فإن الانقسام الاجتماعي يصل إلى درجة كارثية، لا يصح معها سوى فك أو تخفيف الارتباط السياسي والإداري بالمركز، وبالتالي فإن حادثة الهجوم على ساحة التظاهر في الحويجة، تخلق تأثيرات في غاية السوء على مستقبل العراق، ولعل من أخطرها ما لاح يوم أمس من ترك متظاهرين في الموصل ساحة الاعتصام ولجوئهم إلى حمل السلاح.. ذلك أن من يواجههم في الطرف الآخر (الحكومة) يلوّح باستخدام القوة أيضاً.

إن العراق أحوج ما يكون اليوم إلى ممارسة السياسة وليس القوة، والحكومة لا يمكن أن تتحدى أبناءها بالسلاح، بل بالاستماع إلى مطالبهم المشروعة، والاستجابة لها من دون أن تنتابها مشاعر الهزيمة.. فهي حكومة "كل العراقيين" كما يُفترض أن تكون.