حل أمس الرئيس السوداني عمر البشير بجوبا في أول زيارة له مند انفصال جنوب السودان، وتمثل الزيارة نقطة مفصلية في منحنى العلاقة بين الدولة الأم والدولة الوليدة، حيث تؤشر إلى رغبة حقيقية في تهدئة التوترات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين البلدين.
الزيارة تمثل تتويجا لكل الجهود التي بُذلت في الفترة الأخيرة، لترتيب شؤون العلاقة مع دولة الجنوب، خاصةً بعد انسداد الأفق خلال الفترة الماضية المثخنة بالخلافات الحادة والعميقة بين الجانبين، وبما أنَّه لم تكن لتوجد خيارات متعدِّدة لكل طرف دون حدوث تسوية شاملة وكاملة تغلق كل الملفات، فإن الزيارة معقودٌ عليها آمال تطبيع العلاقات بالكامل بين البلدين، وفتح صفحة جديدة وطي أخرى كانت مليئة بالتجاذبات والعداء الصارخ الذي وصل إلى حد التهديد بالمواجهة العسكرية.
وفيما يبدو وجود خلافات وتوترات بين السودان وجنوب السودان أمرا طبيعيا بعد الانفصال، حيث تسعى كل من الدولتين إلى تحقيق مصالحها الخاصة وتقليل حجم الخسائر سياسيا واقتصاديا وأمنيا، إلا أن حسابات المكسب والخسارة كانت عامل ترجيح أساسيا في تحقيق التقارب خاصة في قطاع النفط الذى حرك بطبيعة الحال قضايا الحدود بين الدولتين.
حيث إن القوى الفاعلة، قد أدركت أنه لا فكاك من هذا الصراع الدموي المتجدد، إلا بالتوصل إلى تفاهمات تحقق المصلحة لكافة الأطراف، وتحفظ حقوق الدولتين في النفط. كما أن أي وفاق بين «السودانيين» سوف يوفر الكثير من الدماء والأموال لأبناء بلدين يخوضان حربا عبثية بالوكالة لصالح قوى دولية لا يعنيها إلا حسابات المكسب والخسارة، التي تمر عبر أنهار دماء ينزفها أبناء المنطقة وأصحاب الحق الأصلاء في تلك الثروة.
فلا ينبغي أن تنجح الزيارة دون أن تكون هناك نوايا صادقة لدى الخرطوم وجوبا في فتح عهد جديد من التفاهم القائم على حفظ المصالح المشتركة ونبذ العنف وتكريس رغبة كافية في العيش معا بسلام في جوار تسودُه المنافع والمصالح المتبادَلة.