شكلت استقالة الحكومة اللبنانية منعطفاً في مسار الوضع الداخلي المتأزم، نتيجة الاحتقان الناتج عن تعدد خيارات اللبنانيين السياسية. ومن شأن هذه الاستقالة أن ترفع الغطاء عن الجهات اللبنانية التي تدعم بعض الأجندات الإقليمية، وترهن مصير لبنان كدولة وككيان لهذا النظام أو ذاك.
لقد كلف ارتهان لبنان للخارج عبر عقود طويلة، هذا البلد الكثير والكثير من الأرواح والطاقات المهدورة، وعندما توصل اللبنانيون إلى اتفاق الطائف برعاية عربية ودولية، ظن الكثيرون أن زمن الارتهان للخارج قد ولى، ولكن ومنذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري بطريقة وحشية، بدا أن هناك جهات تدفع إلى ارتماء لبنان في خنادق لا علاقة للبنانيين بها، وضمن استراتيجيات إقليمية لا تصب بحال، لا في مصلحة لبنان ولا في مصلحة العرب.
بدعاوى شتى أخذ لبنان رهينة لدى بعض القوى الإقليمية، وكانت حكومة رئيس الوزراء المستقيل نجيب ميقاتي أشبه بغطاء شرعي لحكومة غير متوازنة، خلال عمرها الذي يقارب العامين.
ويواجه لبنان في هذا الوقت تحديات مصيرية، فبالإضافة إلى تدفق اللاجئين السوريين، والجمود الاقتصادي الكبير، وازدياد حدة الاستقطاب السياسي، الذي وصل إلى حد اشتباكات أخذت طابعاً مذهبياً، وعدم نجاح الحكومة في تطبيق سياسة النأي بالنفس المعلنة، عملياً على أرض الواقع.. بالإضافة إلى كل ذلك، هناك استحقاق الانتخابات النيابية التي يفترض أن تجري بعد ثلاثة شهور، لكن الأطراف المستفيدة من الوضع الراهن، حالت دون التوصل إلى تفاهمات بشأنها.
هذه الأوضاع المعقدة والمتداخلة، تقتضي وقفة مراجعة شاملة من الجمع، للخيارات التي أخذ اللبنانيون إليها عنوة ودون إرادتهم، ويراد لهم أن يدفعوا أثمانها من قوتهم وأرواحهم ومستقبلهم.
بعد الطائف بدا أن غالبية النخب السياسية اللبنانية، تدرك أن لبنان يمكن أن يشكل عنصر استقرار في المنطقة عبر خصوصيته وموقعه، وقد جسد رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري هذا الدور سنوات، محققاً للبنان موقعاً مهماً على الخارطة العربية والدولية، ولكن بعد عملية الاغتيال الإجرامية، أتى من أراد للبنان أن يعود مجرد ساحة لخوض المعارك الإقليمية.. فهل آن الأوان لأن يقول اللبنانيون لهؤلاء كفى؟