تصر إسرائيل في كل يوم على إثبات الحقيقة الراسخة، بأنها كيان قائم على انتهاك القوانين الإنسانية الدولية.

فبالأمس قدمت اقتراحاً غريباً بإبعاد الأسيرين المضربين عن الطعام أيمن الشراونة وسامر العيساوي إلى خارج الأراضي الفلسطينية أو إلى قطاع غزة، وهو اقتراح لم يلقَ قبولاً من أحد، نظراً لما ينطوي عليه من ابتزاز سياسي نتيجة تدهور وضعهما الصحي بشكل خطير، فكان هذا الاقتراح مساومة رخيصة على آلامهم وحقوقهم غير القابلة للانتقاص، باعتبارهم أسرى حرب لهم حقوق محددة باتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، وبالإضافة إلى ذك فهم أسرى أعيد اعتقالهم بعد أن أفرجت إسرائيل عنهم في وقت سابق باتفاق شاليط، الذي رعاه الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الإقليمية، ولذلك فإن إعادة اعتقالهم من جديد يشكل نكوصاً عن التعهدات وتراجعاً عن اتفاق مبرم.

وبصرف النظر عن موافقة الأسرى أو عدم موافقتهم على مثل هذا العرض فإنه في مطلق الأحوال عرض مناف للقانون الدولي الإنساني، كونه يخالف اتفاقية جنيف وفقاً للمادة الثامنة التي تقول إنه لا يجوز للأشخاص المحميين التنازل في أي حال من الأحوال جزئياً أو كلياً عن الحقوق الممنوحة لهم بمقتضى هذه الاتفاقية.

وهنا فلابد من استعادة مأساة مبعدي كنيسة المهد المستمرة حتى الآن منذ أحد عشر عاماً، فمأساة هؤلاء تتفاقم كل يوم سواء منهم الذين أبعدوا إلى غزة أو إلى أوروبا.

لقد فقد الكثير من المبعدين آباءهم وأمهاتهم دون أن يستطيعوا أن يلقوا عليهم نظرة الوداع الأخيرة بالإضافة إلى تشتت العائلات ونشوء الأبناء بعيداً عن آبائهم.

ولا نبالغ إذا قلنا إن مرارة الإبعاد لا تقل مأساوية وألماً عن مرارة الاعتقال، بل ربما هي أقسى منها، ولنا الدليل في قصة المبعد إلى أوروبا عبد الله داوود، الذي عاد إلى مسقط رأسه في مخيم بلاطة بنابلس قبل عامين بعد أن فارق الحياة.

يريد الأسرى المضربون عن الطعام العودة إلى بيوتهم وأولادهم وعائلاتهم، ولا يريدون مقايضة حريتهم بسجن معنوي كبير يحطم أرواحهم وأرواح عائلاتهم، فكأنهم يستبدلون السجن الأصغر بالسجن الأكبر.