رغم ما يعترض مصر حالياً من مشاكل وأزمات متعددة، فإن مخاطر الحراك المستمر لجماعات وتيارات تدعو للانفصال وتأسيس كيانات مستقلة، تعتبر الأخطر في مسار التاريخ الحديث للدولة المصرية.

يمكن إجمال الأزمات الناتجة بعد ثورة 25 يناير، في عدة مفاصل رئيسية، أولها جدار عدم الثقة الذي وصل إلى حد «التخوين» ونزع صفة الوطنية بين فرقاء العملية السياسية، من ائتلاف «الإخوان» الحاكم والتيارات المعارضة وعلى رأسها «جبهة الإنقاذ».

وثانيها مرتبط بالمفصل الأول، ويتمثل في قضايا التشريعات الانتخابية والتعديلات الدستورية التي سالت الدماء لأجلها، إضافة إلى الوضع الاقتصادي الهش الذي تعيشه مصر، وهو أهمها بالنسبة لرجل الشارع العادي من الأغلبية المصرية الصامتة التي زجّت في بحر السياسة رغم أنفها، ولم تجد حتى الآن مقابلا للتضحيات التي قدمتها في سبيل الثورة على الأوضاع السابقة.

وفي خضم هذه الأزمات، أطلّت دعوات انفصالية لأقاليم وكيانات متعددة، تهدد كيان الدولة المصرية ووحدة شعبها التي ظلت عصية على الانفصام لآلاف السنين.

ولئن جرى تسليط الضوء بصورة مكثفة على حراك مدن القنال الذي تتزعمه بورسعيد الخارجة عن طاعة حكم القاهرة، والمطالبة بالانفصال ورفعت علمها الخاص حتى سالت الدماء في شوارعها في صدامات مؤسفة، فإن حراكات أخرى مشابهة تجري في السر والعلن، لا تقل خطورة عن حراك بورسعيد الانفصالي، فهذه النوبة جنوبي مصر بما لها من خصوصية، زادت فيها المطالب بتأسيس دولة مستقلة، وأشهر بعض التيارات الانفصالية القبطية أوراقها، ورمت بها من بعض بلدان المهجر وحتى من الداخل المصري، مع احتدام الأزمة السياسية في مصر، وغياب الحلول العقلانية التوافقية بين الفرقاء السياسيين.

إن تطمينات التيارات السياسية ورموزها، سواء كانت دينية أو غيرها، بأن الدولة المصرية واحدة ولن تتجزأ مهما تصاعدت دعوات الانفصال، وأن الشعب المصري واحد من شماله إلى جنوبه، إضافة إلى الرصيد التاريخي للنضال الوطني المصري، كل ذلك لا يمنع من قرع أجراس الخطر والالتفات إلى قضية الانفصال بعين جادة، وبجهود عملية لتحصين الوحدة الوطنية وحماية أركان الدولة المصرية، بعيداً عن المزايدات والشعارات.