ينتظر ملايين التونسيين ومعهم ملايين العرب، نتائج المداولات التي يجريها رئيس الوزراء المكلف علي العريض، للوصول إلى حكومة توافقية تحظى برضى الجماهير، التي خرجت منتفضة على حكم الحزب الواحد والرؤية الواحدة، قبل رضى الأحزاب السياسية التي لا تمثل إلا قشرة رقيقة من نخب المجتمع التونسي.

واللافت في تحركات الأحزاب التونسية في الآونة الأخيرة، اقترابها من منطق الواقعية السياسية، عبر توسيع دائرة مشاوراتها، وتراجع حدة النزعة الإقصائية لدى الكثير من هذه القوى، والتي كانت تضع اشتراطات للتحاور مع قوى ومكونات أثبتت الأيام أنها قوية وفاعلة على الأرض، بدعوى صلة مزعومة مع النظام السابق.

ولعل الدرس التونسي، ومعه الدرس المصري، أكبر دليل على عبثية الظن باحتكار الحقيقة، وامتلاك الحق كله، ووهم تمثيل الجماهير والنطق باسمها، حتى وإن كانت صناديق الاقتراع هي التي أوهمت البعض بمثل هذه الأوهام الشمولية.. فمزاج المصوتين أثبت في أكثر من تجربة، أنه لا يعبر عن قوة حزب أو جماعة، بقدر ما يعبر عن رغبة من المقترعين في إضعاف الخصم، فالتصويت هنا سلبي ضد حزب حاكم، وليس إيجابياً لصالح القوة المعارضة.

ومن هنا، فلا بد للقوى السياسية أن تدرك معنى المرحلة الانتقالية، وأن تجعل ذلك نصب أعينها، لأن الأوضاع في المراحل الانتقالية تكون قلقة، لا تعبر عن حقيقة اتجاهات المقترعين وميولهم. ويمكن القول إن هذه المرحلة الانتقالية يمكن أن تشكل فرصة للأحزاب، لكي تثبت كفاءتها أمام الجماهير التي لم تعتد الحياة الديمقراطية، وتعاني في الوقت نفسه من تبعات الهزات الاقتصادية الناتجة عن الوضع السياسي غير المستقر.

ولقد أثبتت تجارب الشعوب الأخرى التي مرت بمخاضات سياسية شبيهة، أن الأوضاع السياسية والاقتصادية يمكن أن تبقى قلقة بعض الوقت، حتى تمتص الجماهير الصدمة، وتدرك أبعاد ما يجري حولها، ولذلك فلا ينبغي أن تعول القوى التي تتصدر المرحلة الانتقالية كثيراً على مكاسب انتخابية آنية، وتبني من خلالها عالماً افتراضياً تمنح نفسها فيه حقوقاً تفوق حقوق الآخرين، وتنصب نفسها بديلاً عن الجماهير.