من يتصوّر أنّ كائناً من كان يضحي بوطن من أجل مقعد؟ أمر صعب التصديق، لكنه في لبنان، وكما تكشف اليوميات اللبنانية الأخيرة، أمر يتبناه البعض ويخوض من أجله الحروب، ويجمّل القبيح في سبيل تسويقه.

فمن أجل كسب معركة الانتخابات النيابية المتوقعة في يونيو المقبل، تلف لبنان منذ أيام معركة سياسية، الرابح فيها خاسر، والضحية هو الوطن.. ذاك الوطن الذي قيل عنه إنّ قوّته في ضعفه، وكانت ميزته على الدوام التعايش بين الطوائف، وإن اهتزت هذه الصورة في أكثر من مناسبة، بفعل نزعات الطغيان والهيمنة والقراءة المشوّهة للأحداث والوقوع في شرك الأجندات، لكن لبنان كان يتعافى.. بالوفاق والتوافق والعيش المشترك.

ما يدور في لبنان حالياً محاولة لاغتيال هذا البلد، ومن يحب لبنان يخشى عليه من تداعيات التراجيديا الدامية في سوريا، لكن لم يخطر في البال أن بعض أبناء هذا البلد، ومن نخبته السياسية، سيضحون بلبنان من أجل مغنم انتخابي، غير مضمون ولا قيمة له عندما لا يعود هناك وطن.

إنّ السجال الدائر بلسان العصبيات المذهبية والطائفية، لا مصلحة فيه لأحد حتى لأولئك الذين يقودون لبنان إلى المذبح، ويتوهّمون أن ما يقومون به سيجد له سوقاً، وسيجد من يدعمه من أبناء الشعب اللبناني الواعي، الحريص على احتفاظ لبنان بخصوصيته وثرائه الحضاري، والذي ما كان ليتحقّق في غير بيئة العيش المشترك.

على اللبنانيين أن يتنبهوا لما يحاك ضد وطنهم، وأن ينبذوا من يروّج لتفكيكه ومن يتواطأ معه أو يغض الطرف عنه. فمن غير المعقول أن تخوض شعوب ثورات من أجل الديمقراطية والحرية والدولة المدنية التي يفتقدونها، فيما اللبنانيون الذين لديهم ذلك يخوضون معركة العودة إلى التفكك والتناحر، وسيطرة الإقطاع السياسي، والنكوص إلى عهود الدويلات الطائفية.

فبعد سنوات من السعي نحو إلغاء الطائفية السياسية والخلاص من هذا الداء، يسعى البعض لدفع البلد نحو درك سحيق عبر نسف الدستور، وسلب حقوق المواطنة والعدالة من شركائهم، في وطن طالما عرف بأنّه واحة الديمقراطية والثقافة في هذا الشرق المضطرب.