مع تعقد الحل السياسي في الملف السوري، باتت للأزمة التي طال أمدها وتفاقم ثمنها الإنساني، جوانب عديدة تكاد تكون كل واحدة مستقلة عن الأخرى. ومن أخطرها الأزمة الإنسانية، فأول أمس فقط، صدرت ثلاثة معطيات عن هيئات أممية، حيث أعلنت منظمة الصحة العالمية انتشار مرض «التيفوئيد» على نهر الفرات في سوريا، بسبب المياه الملوثة التي يستخدمها السكان للشرب، وقدرت أعداد المصابين بنحو 2500، يضاف إليها مرض التهاب الكبد الوبائي في حلب وإدلب.
الرقم الثاني بخصوص الأزمة الإنسانية، نشره مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، حيث أعلن أن أكثر من أربعة ملايين شخص بحاجة للمساعدة في سوريا، والثالث هو وصول عدد اللاجئين خارج سوريا إلى 850 ألفاً.
إن ركود الحل السياسي لا شك يؤدي إلى الفصل بين الأزمة الإنسانية والاستحقاق السياسي المطلوب في سوريا، لحل الأزمة المركّبة التي باتت تفرّخ معها مشكلات في غاية الخطورة. فسيناريو تفشي الأمراض في مناطق كثيفة بالسكّان أمر مرعب، وفي ظل تعذر وصول فرق الإمداد الطبية الدولية إلى أماكن انتشار الأمراض، فإن كارثة إنسانية ستحل على سوريا، وستصبح معها الأزمة السياسية من هوامش الحدث السوري، وبالتالي استمرارها إلى ما لا نهاية، بل وتأقلمها مع الظروف السيئة، سيجعل إمكانية وضع حد لها بالتفاوض أمراً صعب المنال.
أمام هذه المعطيات، تقع على المجتمع الدولي مسؤولية إيجاد توافق دولي على حل يجنّب السوريين الكارثة التي تلوح في الأفق، وهي لن تقف عند حدود سوريا فقط، بل ستتخطاها إلى دول الجوار والمنطقة. وبالتالي، لو تم رصد مليارات الدولارات للاجئين السوريين، ومثلها لمكافحة الأمراض الناجمة عن انقطاع الخدمات في المناطق المضطربة، فإن بقاء الجانب السياسي دون حل لن يضع حداً للأزمات الأخرى المتفرعة عنها.
هذا أوان دفع الأطراف السورية جميعاً للجلوس على طاولة الحل السياسي، بالتنسيق مع القوى الدولية ذات المصالح المتباينة حول مستقبل سوريا، فآلاف الناس مهددون بالموت جوعاً ومرضاً، بعيداً حتى عن الآلة العسكرية والقتال المباشر، وهذا يرفع درجة الأزمة لتتخطى ما يُسمّى في عُرف السياسة بـ«المصالح»، فهذه المصالح قد تكون مفهومة لو تمت حول طاولة، من دون أن تكلف مصير بلد.