في خضم الأزمات والحروب والاضطرابات التي تعصف بالمنطقة العربية شرقاً وغرباً، يخوض الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي حرباً صامتة لا تحظى بكثير من الاهتمام أو التغطية، خاصة في وسائل الإعلام الغربية التي لا هم لها سوى التركيز على مناطق النفوذ الاستعماري السابقة في أميركا الجنوبية وجنوب شرقي آسيا وإفريقيا. حرب الأمعاء الخاوية، كما باتت تسمى، وسيلة المقاومة الفلسطينية الجديدة لكسر شوكة المحتل عبر تنفيذ إضرابات جماعية عن الطعام احتجاجاً على الاعتقال الإداري وسوء المعاملة والتنكيل المستمر بحق الأسرى.

الأسير سامر العيساوي تجاوز يومه الـ200 وهو مضرب عن الطعام، ليهب مئات الأسرى للتضامن معهم، ومنهم كثيرون ذاقوا طعم الحرية، لكنهم لم ينسوا نَفَس التعاضد مع رفاق درب النضال.

الواقع الجديد الذي يجسده الفلسطينيون عبر الإضراب عن الطعام وإقامة قرى اعتصام، رغم هدم الاحتلال مرارا لها، ما هو إلا نوع جديد من أشكال العصيان المدني المبتكرة التي تلقن إسرائيل درساً في المواجهة، وهي التي عصت عن ضرب المقاومة المسلحة بالوسائل العسكرية القمعية والحملات المكثفة، التي نال قطاع غزة نصيب الأسد منها، فيما تعاني الضفة الغربية من اقتحامات يومية استفزازية.

المطلوب في هذا السياق، تأطير ومنهجة أسلوب العصيان المدني هذا، آخذين بعين الاعتبار نجاحه منقطع النظير في تعرية إسرائيل وإحراجه لها أكثر فأكثر في قلوب وعقول الرأي العام الغربي، خاصة أنه سلمي مدني لا عسكري حربي، حيث لا تنفك العواصم الغربية في النأي بنفسها عن دعم الفلسطينيين بشكلٍ لا لبس فيه، بحجة «العسكرة» التي شابت نضالهم.

وبالتوازي مع هذا التأطير، الذي لا بد أن يكون في المحصلة نتاج توافق فلسطيني- فلسطيني، فإن الدور العربي واجب وفعال، خاصة أن له ذراعاً دبلوماسية وسياسية يستطيع من خلالها أن يمد يد العون إلى الفلسطينيين في نضالهم، ليقع الإسرائيليون بذلك بين فكي كماشة لا فكاك منها، تجمع ما بين أساليب العصيان المدني السلمي من جهة والحراك الدبلوماسي المكثف في اتجاه آخر.