ما صدر من ردود فعل غاضبة ومتفجرة في الشارع التونسي بعد اغتيال المعارض السياسي شكري بلعيد لا يمكن قراءتها بلحظتها الآنية واعتبارها رد فعل على اغتيال فردي مهما كان حجمه وثقله الاجتماعي، بل إن التظاهرات الغاضبة والاشتباكات التي أعقبت اغتيال بلعيد في جميع مدن تونس والتي أجبرت الحكومة على إجراء تعديل حكومي طال انتظاره، تندرج ضمن تراكمات تحاول القفز عليها أو التغاضي عنها بعض الحكومات إلى أن تصل لحظة الانفجار.
المراقب والمتابع للوضع التونسي منذ لحظة رحيل نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وما أعقبه من تشكيل هيئات تشريعية وتنفيذية مؤقتة طيلة سنتين، يدرك أن الغضبة الكبيرة والوضع الخطير الذي أفضت إليه تونس لحظة اغتيال بلعيد، هي نتاج عدة تراكمات لعل من أبرزها هي مطالبات قطاعات شعبية وتيارات سياسية كبيرة ولها تاريخها بإيجاد نوع من الشراكة الحقيقية في حكم الوطن التونسي بتشريعه وقوانينه وسلطته التنفيذية، وشعور العديد من تلك التيارات بحالة إقصائية من قبل الائتلاف الحاكم، والمخاوف من فرض نمط اجتماعي معين على الشعب التونسي والعديد من الهواجس والأفكار التي عرضتها التيارات المدنية في الداخل التونسي.
لقد جاء اغتيال السياسي التونسي شكري بلعيد، ليعيد إلى الأذهان ذاكرة مؤلمة عن سلسلة طويلة من الاغتيالات السياسية التي كانت سمة بارزة من سمات العقود الستة الماضية في المنطقة العربية، وربما تفاءل البعض باختفاء ظاهرة الاغتيال السياسي عن بلدان ما يسمى «الربيع العربي» بعد عقود من الديكتاتورية والحكومات العسكرية، إلا أن اغتيال بلعيد جاء ليدق ناقوس خطر جديد في أرجاء هذه البلدان.
ولكن الأوضاع هذه المرة تختلف عما كان يحدث في السابق، فوسائل الإعلام الحديثة والفضاء الواحد والتيارات المدنية وجيل الشباب المنتفض ضد القيود إضافة إلى الانفلات الأمني والجماعات العاملة تحت ستار الظلام، كل ذلك يؤدي إلى نتيجة حتمية تقوم على انفلات ففوضى فانفجار لا يبقي ولا يذر، وهو ما يجب أن تدركه حكومات بلدان «الربيع العربي» التي أتت عبر صناديق الاقتراع.