منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، مرّت بلاد الرافدين بعشرات، بل بمئات الأزمات دون مبالغة، وكان الشعب هو الذي يدفع الضريبة كل مرة، ومن تلك الأزمات ما هو مزمن ومنها ما يجري وجرى بصورة آنية لحظية، تحكمه ظروف الزمن والتوقيت.

ولأن التركيبة العراقية تمتلك خصوصية عن المنطقة، بحكم العوامل الاجتماعية والديمغرافية وغيرها من العوامل المرتبطة بالموقع الاستراتيجي والاقتصادي، تفاقمت بعض تلك الأزمات وأخذت طابعاً تراكمياً، كانت تدثره وتظلل عليه مشاكل كبرى تعرض لها البلد، كالحروب والانقلابات العسكرية والحصار الاقتصادي والإشكاليات المستعصية المستمرة مع الجوار الحدودي.

ورغم المحاولات المخلصة للملمة الشمل تحت خيمة «الوطن الواحد»، كانت حبّات الجمر الموقدة تشتعل تحت ذلك الركام شيئاً فشيئاً، لتنفجر فرادى أو مجتمعة في ظروف كثيرة طيلة قرن من عمر الدولة العراقية.

وكان العامل الاقتصادي ولا يزال هو العامل الأول الذي تختفي تحته لائحة من العوامل المدمرة في هذا البلد، وتندرج تحت مظلة هذا العامل قضايا خطيرة كانت سبباً من أسباب تفجر الصراع على الدوام، وإن كانت أغلفة تلك الصراعات ومظاهرها تأخذ أشكالاً سياسية وأيديولوجية وفئوية ودينية وقومية وغيرها.

وفي ما يتعلق بالقضايا المرتبطة بالعامل الاقتصادي، نجد قضية تبديد الثروات العراقية الهائلة طيلة العقود الماضية، في الحروب والصراعات الخارجية والداخلية، بينما الشعب العراقي يعاني في معيشته واستقراره، ما سبب فجوة خطيرة خلقت مجتمعاً طبقياً لم تعهده بلاد الرافدين من قبل، وولدت مشكلة البطالة التي تعاني منها فئة الشباب التي تعتبر المكوّن الأكبر في العراق، لتأتي المشاكل الأخرى مترافقة معها، ومنها انتشار الجريمة والفساد وغسل الأدمغة الذي تمارسه الجماعات الإرهابية والمتطرفة في حق بعض الشباب العاطلين عن العمل، لتكون خسارة مزدوجة للعراق.

إن تحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي للشعب العراقي بكل فئاته، والإنفاق في إنجاز بنى تحتية وخدمية، كفيل بحل جانب كبير من الإشكاليات التي تعترض الساسة والمتاهات التي لا تنتهي، وسيسهم بلا شك في تنفيس الاحتقانات وتقليل سهام النقد لأي حكومة تتولى السلطة في بغداد.