منذ أطاحت الأحداث الأخيرة في المنطقة العربية بأنظمة حكم اهترأت بفعل عوامل الزمن، وشعوب هذه البلدان تعيش دوامة من العنف والعنف المضاد، والاعتراضات والانتفاضات، إضافة إلى آثار الإرهاب الدامية والمشاكل الاقتصادية، والنهب المنظم لثروات الشعوب على مدى عقود.
ولئن استدرجنا واحدة من أعقد المشاكل التي تواجه البلدان العربية المتغيرة، لوجدناها تختص بنماذج الأنظمة المطاح بها التي كانت تحكمها، حيث النظام الشمولي الذي تغلغل في النسيج السياسي والاجتماعي والاقتصادي لتلك البلدان، والأمثلة على ذلك عديدة؛ وإن اختلفت في التفاصيل. ولا شك أن ما خلّفته تلك الأنظمة من مشاكل وإرث كارثي لمن يحل بعدها، لا يمكن استيعابه بسهولة.
من أبرز الإشكاليات التي خلفتها تلك الأنظمة الكارثية، قضية «الفلول» أو «البعثيين» أو «أعوان» أو «بقايا».. وهلم جرّاً من المصطلحات التي تختزل المنتسبين لحزب النظام السابق أو المنتمين لهيكله السياسي والإداري
. ويبدو أن معضلة هؤلاء ستبقى مستمرة ومزمنة، ربما لسنوات طويلة، وهنا نستحضر تاريخين حاكما مثل هؤلاء، مع التحفظ على التشبيه مع حالة البلدان العربية، فمحكمة نورمبرغ التي عقدها الحلفاء في ألمانيا لمحاكمة قادة ورموز النازية بعد سقوط الرايخ الثالث عام 1945، لم تدع صغيراً ولا كبيراً إلا ولاحقته واقتصت منه، بل إن بعض النازيين حوكموا وقد بلغوا من العمر عتياً في عصرنا الحالي، وهو حق من حقوق الشعوب التي أريقت دماؤها دون ذنب. أما النموذج الآخر، فهو نموذج «التسامح» الذي أطلقه زعيم جنوب إفريقيا نيلسون مانديلا، وهما نموذجان يمكن أن يشق بينهما طريق ثالث للبلدان العربية المتغيرة.
إن «القصاص» و«التسامح» حق خالص للضحايا دون غيرهم، وفق جميع الشرائع السماوية والبشرية، ويجب أن تعمل البلدان العربية المتغيرة وفق هذا المنطق في قضايا «الفلول» و«البقايا»، فالقانون يشرّع ليحمي الأبرياء ولكي لا تتكرر المأساة مرة أخرى. لكن ينبغي على هذه البلدان ألا تأخذ البريء بجريرة المسيء، ولا أن تعفو عن القاتل إرضاء لمصالح وأجندات خاصة.. والطريق ما زال مفتوحاً لما يمكن أن يكون «بين عقوبات نورمبرغ وتسامح مانديلا».