ينشغل العالم اليوم بالصراعات السياسية وبموجة التغيير التي تحدث في عدد من البلدان، كما ينشغل أيضاً بالأزمة الاقتصادية التي لا تزال تداعياتها واضحة، لا سيما على الدول التي تصنف ضمن ما يعرف اصطلاحاً بالبلدان المتقدمة.
وبينما تظل لعبة المصالح تتقاذفها القوى الكبرى تجاه الأزمات الدولية، يتناسى العالم قضية مهمة جداً ترتبط بوجود الإنسان وسائر الكائنات على كوكب الأرض، ألا وهي الانبعاثات الغازية.
لقد أضحت مشكلة الانبعاثات الغازية اليوم أكبر تحدٍّ تواجهه دول العالم، بسبب التصنيع المبالغ فيه وعدم وجود قوانين ملزمة، ما يجعل نسبة التلوث في تزايد مستمر، فالملوثات التي تتسبب فيها أي دولة ستضر بلا شك دولة أخرى، كما أن انعكاسات ارتفاع درجة الحرارة ليست مشكلة محلية فقط، بل هي مشكلة عالمية، ولهذا فإن التعاون الدولي يصبح أمرا حتميا لخفض الانبعاثات من ثاني أكسيد الكربون والغازات الدفيئة الأخرى، فمن المعلوم أن الدول الصناعية الكبرى هي المتسببة في معظم الانبعاثات الغازية التي تتسرب إلى الغلاف الجوي.
إن معالجة مشكلة الانبعاثات لا تزال إلى حد الساعة حبيسة المؤتمرات الدولية التي يشارك فيها عدد من الخبراء والمختصين من شتى بلدان العالم، ليخرجوا بتوصيات تظل حبراً على ورق في ظل غياب إرادة دولية للالتفات إلى مثل هذه المعضلات التي تهدد الأرض ككل، وإن انعقدت اجتماعات بين كبار المسؤولين إلا أن صفة «غير ملزمة» تظل العائق الأكبر الذي يحول دون تطبيق أي مقترح يخفض من هذه الانبعاثات.
وفي المقابل، فإن إصرار بعض دول العالم على مناقشة مثل هذا الموضوع، لدليل واضح على أنه يشكل الخطر المشترك الذي تزول فيه كل الحدود الجغرافية. ويبدو أن توصل 140 دولة قبل يومين في ختام مؤتمر دولي في جنيف، إلى معاهدة دولية لخفض انبعاثات مادة الزئبق بالغة الضرر على صحة الإنسان والبيئة، لدليل آخر على إدراك ضرورة مواجهة هذا المشكلة العالمية.
إن اتفاق هذه الدول على معاهدة «ميناماتا»، وإن اعتبرها البعض حبراً على ورق، غير أنه يجب النظر إليها بتفاؤل، خاصة وأن الاتفاق على بنودها جاء بعد ثلاثة أعوام من المناقشات المستمرة، وبعد أسبوع كامل من المفاوضات بين المشاركين في المؤتمر.