تؤكد عملية الاقتحام الهمجية لقرية باب الشمس الفلسطينية، التي أقامها النشطاء وأبناء قبيلة الجهالين البدوية على الأراضي المهددة بالمصادرة، أن الهدف النهائي الذي تسعى له حكومة بنيامين نتانياهو هو إجلاء الفلسطينيين، كل الفلسطينيين، من أراضيهم، وصولاً إلى الهدف الاستراتيجي المتمثل في الوصول إلى دولة يهودية خالصة، تجسيداً لمقولات الصهيونية الأولى التي نشأت عليها دولة إسرائيل.
فقرية باب الشمس شرقي القدس المحتلة، هي أحدث أشكال النضال السلمي الذي لجأ إليه الفلسطينيون، لمقاومة سياسة الاستيطان ومصادرة الأراضي التي اعتادت أن تقوم بها حكومة الاحتلال منذ عام 1967، ولم يفعل المشاركون في هذا المشروع أكثر من نصب الخيام، والاستعداد لإقامة معرض دائم للتراث الفلسطيني، وتحويل القرية إلى بؤرة إعلامية تسلط الضوء على حق الفلسطينيين في الحياة. ولكن شهوة القتل والتدمير التي تعشش في عقل الحكومة الإسرائيلية، أبت إلا أن تجهض هذا الحلم، وأن تدمر هذا المعلم الحضاري والإنساني، الذي أنشأه أكثر المناضلين الفلسطينيين سلمية.
والغريب أن عنف سلطات الاحتلال مع المشاركين في هذا النشاط السلمي ذي الطابع الثقافي، أثار الكثير من التساؤلات حول الديمقراطية المزعومة التي يدعيها قادة إسرائيل، فما الذنب الذي اقترفه الناشطون، وعلى رأسهم الدكتور مصطفى البرغوثي رئيس المبادرة الوطنية الفلسطينية، حتى يضربوا بشكل عنيف ويساقوا مخفورين إلى المعتقلات؟
أليست الاعتصامات والأنشطة السلمية، هي جزء من العمل الديمقراطي، الذي تتشدق به إسرائيل بوصفها "واحة للديمقراطية في صحراء العرب القاحلة"؟!
من هنا يبدو الوجه المنافق لديمقراطية إسرائيل، الذي يقتصر على مواطنيها من اليهود فقط، أما الآخرون فلا مكان لهم سوى المنافي أو السجون، وهذا أشد أنواع العنصرية في التاريخ البشري.
ولعل ما أزعج قادة الاحتلال هو هذا المظهر الحضاري السلمي الذي ظهر به الفلسطينيون في قرية باب الشمس، وهو ما لا ينسجم مع الدعاية الممجوجة التي حاولت إسرائيل تكريسها منذ وجودها الاحتلالي الاستيطاني على الأراضي الفلسطينية، وهي التي تدعي أن الفلسطينيين والعرب غير مؤهلين للديمقراطية، والمفارقة أن العالم كله يصدق هذه الادعاءات، بينما يغض الطرف عن الممارسات الإسرائيلية التعسفية واستهتارها المستمر بمعايير الشرعية الدولية والقوانين الإنسانية.