مع حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي تشهدها البلاد العربية في ظل ما يسمى «الربيع العربي»، وفي ظل الملفات الشائكة والمعقدة التي تواجهها المنطقة من «فتن» قائمة على أساس اثني وطائفي ومذهبي بجميع أصنافه ودوامات اقتصادية لا تنتهي، غابت تفاصيل كثيرة وتساؤلات مهمة بسبب تسارع الأحداث وتطوراتها الخطيرة، إلا أن الناس البسطاء الذين هم -على مر العصور- وقود وكباش الفداء لتجارب المُنظرين بشتى اتجاهاتهم، أولاء الناس بدأوا يطرحون تساؤلات حقيقية ستتمكن أجيال مقبلة من تحليلها بصورة عميقة ومن دون خوف أو وجل.

من أبرز التساؤلات والأحاديث الحكائية التحليلية للناس في بلادنا العربية من مشرقها إلى مغربها: ما هي المنجزات التي تحققت على يد ما تسمى حكومات «الاستقلال» التي أعقبت فترة «الاستعمار» في المنطقة، وخصوصاً تلك الحكومات التي قامت على أسس أيديولوجية وثورية ونضالية.. وهلم جراً، حيث أن ستة عقود هي فترة كافية لتقييم مرحلة ما من عمر الزمن. وما هي تفاصيل المنجز على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتعليمية والصحية لتلكم الحكومات طيلة فترة «جثومها» على صدور الناس وإلى يومنا هذا.

في بغداد التي أنهكتها الحروب والمآسي، يجلس العراقيون وخصوصاً كبار السن منهم ليستذكروا أن الدينار العراقي كان أيام الملكية التي رحلت مضرجة بالدماء يعادل قرابة 4 دولارات، وأن كبريات الجامعات والصروح العلمية والحضارية أسست في ذلك الوقت، وأن البرلمان كان يملك سلطة قوية تسقط حكومات وتهز عرش فيصل.. أما في القاهرة، فيجلس العجوز السبعيني ليروي للأجيال كيف كانت الموضة تنزل في شوارعها قبل أن تنزل في باريس ولندن، وكيف كان الجنيه المصري الملكي أيام فاروق يعادل شقيقه الدينار العراقي من حيث القوة، وكيف كانت الشوارع نظيفة.. والحديث يطول، وغير بعيد عن ابن بغداد والقاهرة، تسمع ندبة ابن الخرطوم وصنعاء وغيرها من بلاد العرب التي ابتلتها الأقدار بحكومات جاءت بعد الاستعمار فدمرت كل شيء، أما دمشق الشام فحدث ولا حرج.

إن دراسة ما أنجز في ستة عقود في بلدان «الاستقلال» العربي الثورية وما سبقها أيام «الرجعية» الاستعمارية، مادة ثرية ينبغي الالتفات إليها والبحث فيها «دون أجندات»، ولئن لم يصل هذا النداء لفكر من حضر زماننا، فلربما سيصل في المستقبل لأجيال لن يكون لديها ما تخسره.