منذ تأسيس البشرية لأول كياناتها المدنية بصورة الدول المصغرة والممالك التي نشأت على ضفاف الأنهار وإلى يومنا هذا، تنوعت أساليب الحكم وأنظمته وفلسفته على مر العصور، فكان منها ما جلب الخير والسلام والبناء للشعوب المحكومة، ومنها عكس ذلك مما جلبته من حروب ودمار وقتل للشعوب المغلوبة على أمرها، وبين هاتين الصورتين انبرت عشرات من الأفكار الفلسفية والإيديولوجية للتنظير بشأن إدارة الدولة ومعها المجتمع.
ما يهمنا مما سلف، هو الفلسفة الشمولية لبعض أنظمة الحكم التي مرت في السابق، وما زالت تطبقها دول عدة في العالم الحديث. وقد بدأت تلك الفلسفة بالظهور مقترنة بربط الذات الحاكمة بالآلهة في الديانات القديمة، ومن ثم بالذات الإلهية في الأديان السماوية.
ورغم عدم قول أصحاب الشرائع من الرسل والأنبياء أو تطبيقهم لما يعرف حالياً بـ«الحاكمية المطلقة» التي تنادي بها حركات إسلامية معاصرة، إلا أن منظري هذه الحركات يصرون ومنذ ما يقرب من 150 سنة، على ترسيخ مفهوم هذه الحاكمية في أذهان أتباعهم، ليجري تطبيقها لاحقاً من خلال تشريعات وقوانين مخبأة في الأدراج، وتظهر إلى العلن في حال وصول هذه الحركات بـ«معجزة» إلى الحكم.
إن الأنظمة الشمولية التي سقطت في طوفان ما يسمى «الربيع العربي»، كانت وبالاً في وجودها وفي رحيلها، فهي في وجودها أهلكت الحرث والنسل وقضت على عشرات بل آلاف العقول النيرة الصالحة، وأوجدت حالة تخلف اجتماعي وتدهور ثقافي يندر أن تمر به أمة، وفي النتيجة فهي في رحيلها أفرزت إلى منصة الحكم تيارات وحركات تنظر بعين الريبة إلى ما سواها، وترى الهوية الوطنية بصورة ضيقة، وتحاكم الأمور والقضايا الاجتماعية والاقتصادية بما يتفق مع فلسفتها في «الحاكمية المطلقة»، التي تخرس الألسن وتكمم الأفواه، باعتبار أن صوت الحاكم المنتمي إليها هو صوت الله سبحانه وتعالى.. والله بريء مما يصنعون.
خلاصة القول؛ إن المستقبل المجهول الذي ينتظر بعض المناطق والدول التي تحاول أنظمتها إلصاق نفسها بالسماء، لن يطول كثيراً حتى تتبين ملامحه، ويظهر للوجود بعض من أموره الخافية.