ربما كان قدر بعض الشعوب والبلدان أن تخرج من أزمة لتدخل في أخرى، وما أن تهدأ لتضمد جراح الحروب والمآسي، حتى تجد نفسها تواجه مأساة جديدة، ولم يعد خافياً أن العراق هو المثال الأبرز شعباً وأرضاً، لهذه المعادلة التي مالت فيها كفة العدالة كثيراً.
وبكثير من الواقعية فإن أرض الرافدين نالت حصة الأسد من المآسي البشرية عبر التاريخ، وإن تجاوزنا الفترات الغابرة في عمر العراق وكذلك بعض القضايا المرتبطة بالأنثروبولوجيا والتراكم الثقافي، ومؤثرات المتلازمة الأبدية منذ العصور السومرية الأولى بين «البداوة» و«الحضر»، إن تجاوزنا كل ذلك وكل ما يرتبط به، فإن الوضع الذي يمر به العراق هو الأخطر دون مبالغة.
إن نظرة واحدة لما يمر بالعراق في الوقت الحالي من أزمات داخلية متلاحقة، تنبئ بعواقب بعيدة المدى لا يمكن تفريقها عما يدور حول البلد من خارج متفجر وملغوم.
فإلى الشرق يكمن الجار الإيراني وبرنامجه النووي الشائك والتهديدات المتلاحقة للمنطقة بسبب هذا البرنامج، أما الغرب العراقي فهو الأكثر خطورة على وضع البلد، فطوفان الدماء الذي يسيل في سوريا والمستقبل المجهول الذي تسير عليه الأمور هناك، لن يكون العراق بمنأىً عنه بأي صورة كان عليها، وليست العلاقات بين العراق والجار التركي بتلك الصورة البهية التي يمكن أن تسهم في استقرار البلد.
إن ما سبق من أزمات داخلية ومناطق ألغام خارجية، يجب أن يجعل السياسي العراقي من صنّاع القرار يحسب بكل حكمة ومنطق نتائج كل خطوة يخطوها، لأن ما يترتب عليها يمضي بصورة معقدة نحو تفرعات ومسارب لا يمكن التكهن بمدى حفرها في الواقع من تأثيرات، وهو ما يدعونا لدعوة الساسة وأصحاب الرأي في العراق، ونحن في مطلع عام جديد، إلى نبذ الخلافات والاتفاق على مبادئ عامة للخروج ببلادهم من النفق المظلم، الذي دخله منذ عقود طوت معها الكثير من أحلام وآمال الناس البسطاء.