بينما كانت العاصمة أبوظبي تشهد افتتاح مركز «هداية» لمكافحة التطرف العنيف بمشاركة وفود دولية وعربية، حدثت في الطرف الآخر من العالم فاجعة محزنة، حين قام شاب في مقتبل العمر بقتل نحو 27 شخصاً من بينهم 20 طفلاً في عمر الورود، في مدرسة «ساندي هوك» بمدينة نيوتاون الأميركية، لتفتح هذه الحادثة الجدل مجدداً بشأن قوانين حيازة السلاح في الولايات المتحدة.
ما بين حدثي «هداية» و«ساندي هوك» - رغم الفوارق التحليلية للدوافع والمنطلقات- ثمة الكثير من القراءات والأفكار والرؤى، ولعلنا إذا تجاوزنا العديد منها، فإننا لا نستطيع التغاضي عن القاسم المشترك الأهم بينهما؛ ألا وهو «ثقافة العنف» أو بالمعنى الأحدث والأدق «عنف الثقافة»، الذي قالت به مجموعة مفكرين وكتاب أخيراً. ففي نظرة مبسطة لتحليل المصطلح بشكليه اللغويين الفلسفيين، نعترف بأن «العنف» ثقافة وليس طبيعة، مثلما تؤكد على ذلك نظريات اجتماعية معاصرة.
في أبوظبي، وخلال افتتاح مركز «هداية»، عبّر سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية، عن «منهج دولة الإمارات النابع من إرثها الحضاري العربي الإسلامي الأصيل، في مبادئ التسامح والإنسانية والتعايش السلمي ونبذ التطرف بكل أشكاله»، وأوضح سموه ما يخطط له هذا المركز الدولي من برامج في المناهج التربوية والمجتمعية والقانونية، لإشاعة المبادئ الإنسانية ونبذ التطرف والعنف.
وفي هذه النقطة بالذات يتلاقى الحدث الإماراتي مع الحدث الأميركي، فمجزرة «ساندي هوك» ما كانت لتقع لولا العديد من العوامل وعلى رأسها شيوع ثقافة التطرف والعنف، عبر الفن بأنواعه وخاصة السينما، بل سيطرة هذه الثقافة على النتاج الثقافي الأميركي بصورة واضحة، ناهيك عن التراكم المعقد لقوانين حيازة السلاح في أغلب الولايات الأميركية، حيث أفادت إحصائيات بوجود قرابة 200 مليون قطعة سلاح فردي لدى سكان البلاد، وهو رقم مرعب بكل معنى الكلمة.
لا شك أن هذه الحادثة المؤلمة ستضع صناع القرار في واشنطن بمواجهة الثقافة العنيفة، التي تنتشر في ثنايا الفكر والأدب والفن الأميركي، لتهيمن بعد ذلك على مجتمع بأكمله وترسل دخانها إلى كل أصقاع الأرض. وينبغي أن تحرك دماء الأطفال الأبرياء الذين قضوا في هذه المجزرة، المفكرين والعلماء والقانونيين لإبداع أفكار وآراء وقوانين تحمي الأبرياء من غولي «العنف» و«التطرف».