رغم التحذيرات المتكررة وتحليلات المخاطر المستقبلية التي بحت بها أصوات المفكرين والعقلاء من الساسة المتابعين للشأن العراقي، بخصوص وضع مدينة كركوك وتحديداً في السنوات التي تلت الاحتلال الأميركي وسقوط نظام صدام حسين في 2003، إلا أن القفز على مشاكل هذه القضية الخطيرة وإغماض الأعين عنها تحت شعارات وحدة التراب والمصير والوطن العراقي، ولّد تراكمات تحت الرماد تفاقمت في الأشهر الماضية لتصبح جمراً تنامى ليكون «قنبلة موقوتة»، لا يمكن التنبؤ بمساحة ومقدار الشظايا التي سترسلها إن انفجرت، وهذا كله بسبب سياسات اللامبالاة والقفز على القضايا الخطيرة باعتبارها مُسلّمات يمكن حلها بسهولة.

إن الوضع الديمغرافي لمدينة كركوك الحالية، تغير عدة مرات باعتراف جميع الأفرقاء في الساحة العراقية، فكان يميل بالميزان العددي مرة لصالح الكرد وأخرى لصالح العرب، وكانت القوميات والإثنيات الأخرى في المدينة من تركمان وكلدان وآخرين، تعيش رعب الصراع القومي في كل حين، ولكل فريق وثائقه التاريخية والإحصائية لوضعه في المدينة، وهناك أمور لا يمكن التطرق إليها في العلن خشية إثارة نعرات طائفية ودينية في المدينة.

إن المعاناة التي عاشها الإخوة الأكراد في العراق طيلة الحقبة الماضية أثناء حكم الحزب الواحد، لا يمكن نسيانها أو نكرانها، ولكنها لا تختلف كثيراً عما لاقته فئات كثيرة أخرى من الشعب العراقي، بل إن بعضها كان أشد وطأة، وهو مثبت بالأرقام، ولكن المآسي التي تمر بها فئة ما لا تخولها أن تتبع نفس السياسة الدموية إن هي استعلت أو عادت إليها حقوقها.

التصعيد الأخير بنشر قوات من الطرفين: الحكومة العراقية و«بيشمركة» كردستان العراق، وزيارة رئيس الإقليم مسعود بارزاني لكركوك أول من أمس، كلها يخشى أن تفضي إلى ما لا تحمد عقباه وتعيد صورة الطوفان الدموي التي كانت مخيمة لعقود.

إن جميع الأطراف تخطئ في قراءتها لمقدار قوة الآخر ومقدرته على إلحاق الأذى.. وهذه الكلمات بمثابة جرس إنذار لعله يسهم في إيصال صوت المنطق إلى ساسة العراق والحكماء فيه.