بدأت السفينة الليبية تمخر عباب بحرها متلاطم الأمواج نحو شواطئ الاستقرار المنشود والذي دفع من أجله الليبيون على مدى شهور طويلة الكثير من دمهم إلى ان استطاعوا الإفلات من قبضة حاكم جثم على صدورهم أربعين عاماً ونيفاً، إذ يعتبر تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة رئيس الوزراء المكلّف علي زيدان أولى خطوات الاستقرار المنشود بما ضمته من عناصر تمثّل كل أطياف المجتمع الليبي تقريباً.
ولعل اللحظة التاريخية التي يعيشها الليبيون تقتضي منهم وعياً كبيراً وتفهماً أكبر لطبيعة الظروف التي تمر بها بلادهم، وذلك عبر الالتفاف حول التشكيل الحكومي الجديد أياً كانت الآراء حوله من أجل وضع أولى لبنات ليبيا الجديدة، وقطعاً هذا أمرٌ لا يتأتى إلا عبر الترفّع عن الصغائر والعمل يداً واحدة على الخروج بالبلاد من دوامة العنف والانفلات الذي تعيشه بعض مناطقها بين الفينة والأخرى.
ولعل ظاهرة الاقتحامات المتكررة لجلسات البرلمان الليبي غير ذات مرة أثناء عكوفه على التصويت للحكومة الجديدة تعتبر أولى الأخطار والمهدّد الأكبر لعملية الانتقال والتحوّل التي ينشدها الجميع، نعم وبطبيعة الحال لا يمكن أن يكون هناك توافق تم على أي حكومة لاسيّما في مثل هذا الوقت، لكن المصلحة الليبية تقتضي الوعي التام والعمل كذلك على الدفع باتجاه التماسك الليبي والمضي قدماً نحو دولة المؤسسات والديمقراطية المنشودة.
اللحظة التاريخية التي تمر بها ليبيا تتطلب تعاوناً وإيثاراً في سبيل الوطن لا صراعاً من أجل كسب المغانم والسعي لتقاسم الحصص الوزارية، ولعل رئيس المجلس الوطني السابق مصطفى عبدالجليل قد ضرب أبلغ الأمثال ومثّل القدوة بالعمل لا من أجل منصب وسلطة قدر ما هو تضحية من أجل الوطن وزهد في السلطة بتسليمه مقاليد الأمور إلى السلطة المنتخبة، أمرٌ ينبغي أن يكون درساً بليغاً للجماعات التي اقتحمت مقر البرلمان الليبي اعتراضاً على التشكيل الحكومي ومطالبة بتمثيلها فيه.