تبحث إسرائيل، كلما واتتها الفرصة، عن ذرائع للتملص من استحقاقات السلام، الذي تسعى لقطف ثماره من دون أن تدفع ضريبة ذلك، وتحاول أن توحي أنها هي التي كانت جادة في مباحثاتها مع هذا الطرف العربي أو ذاك، وأن الظروف الموضوعية المرتبطة بالجانب العربي هي التي منعت تحقيق تقدم في عملية السلام، وآخر هذه الأباطيل أن نتانياهو كان سينسحب من الجولان كاملاً لولا اندلاع الثورة السورية.

وعند التدقيق في هذه المزاعم، يتضح لنا أن الأمر برمته لا يعدو كونه دعاية ممجوجة لهذا السياسي الذي امتازت ولاياته السابقة كلها بالجمود، ولم تتقدم فيها عملية السلام، لا مع الفلسطينيين ولا مع السوريين قيد أنملة، لا بل إن حكومته هذه التي يشغل حقيبة الخارجية فيها أفيغدور ليبرمان، الوجه الأقبح للتطرف الصهيوني، تسعى إلى نزع الشرعية عن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس، تماماً كما فعل سلفه أرييل شارون مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

ومن المنطقي أن نقول إن شرعية السلطة الفلسطينية لا تستمد من شارون ولا من نتانياهو ولا من ليبرمان، بل من الشعب الفلسطيني، الساعي بكل ما يملك من طاقات نحو استقلاله الحتمي، والحصول على اعتراف أممي بدولته المستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967، سواء شاء زعماء إسرائيل أم لم يشاؤوا.

وبالنسبة إلى الجولان، فقد كانت الفرص مهيأة في أكثر من مفصل تاريخي، لتوقيع اتفاق مع الجانب السوري الذي أبدى استعداده دائماً لمثل هذا التوقيع، على قاعدة الأرض مقابل السلام، ولكن المؤشرات والوثائق تثبت أن الجانب الإسرائيلي لم يكن جدياً في أي مرحلة من مراحل التفاوض، فقد كان يطرح أفكاراً مستحيلة التطبيق؛ مثل محمية طبيعية، وانسحاب جزئي، وترتيبات لا يمكن قبولها.

لم تكن إسرائيل، وخصوصاً حكومات اليمين، جدية في الانسحاب من الجولان، فالجولان يمثل خزان الماء الاستراتيجي لإسرائيل، ولذلك يقال في تل أبيب «أعطونا سبباً واحداً لكي ننسحب من الجولان». أما الحديث عن مباحثات واتفاقات سرية، فكل ذلك اتضح أنه تسريبات إعلامية لا قيمة حقيقية لها، وادعاءات غير صحيحة.