وضع معقّد في سوريا، ويبدو إلى الضبابية أقرب منه للوضوح، إذ لا تزال المعارك مستعرة بين الجيش النظامي المدافع عن نظام حكم ما زال صامداً، ظاهرياً على الأقل، وجيش حر تتزايد رقعة مكتسباته على الأرض بوتيرة متصاعدة قليلاً، ومدنيين توزّع بعضهم على الجوار في تركيا ولبنان والأردن، وبعضهم الآخر هاموا على وجوههم في الداخل، أملاً في النجاة من وابل الصواريخ والهجمات العمياء وطوفان الدم والدمار.

في المشهد المقابل من الصورة، تبدو التفاصيل معقّدة كما تطاحن المتصارعين السوريين، فالمجتمع الدولي المسؤول بموجب ميثاقه الذي تراضى عليه العالم، عن حماية الأمن والسلم الدوليين وحياة المدنيين في كل بقعة من العالم عبر أذرعه غير ذات القصر، بدا إزاء الأزمة السورية إلى العجز أقرب، فطيلة أكثر من عام ونصف العام، لم يتمكّن العالم عبر منظمته الدولية، من وضع حد لإراقة الدماء في سوريا، والتي أوقعت حتى الآن قرابة 30 ألف قتيل، وأضعافهم من الجرحى والنازحين في دول جوار صرخت لما فاضت معسكراتها: «لم أعد أحتمل».

ولعل كل الآمال معقودة على مهمة المبعوث العربي والأممي الجديد الأخضر الإبراهيمي، في نزع فتيل الأزمة المحتدمة، بعد فشل سلفه كوفي أنان عبر خطته ذات النقاط الست. لكن الوقت يمضي دون أن تلوح بوادر انفراج، ولو كان في شكل خطة توافقية ترضي أطراف المعادلة، فيما لا يزال الإبراهيمي يواصل جولاته ولقاءاته مع مختلف أطراف الصراع، فضلاً عن القوى الإقليمية والدولية المعنية أو التي أقحمت نفسها في الأزمة السورية.

لكن ما يجب أن يعرفه الجميع، هو أن الوقت يمضي في حين يستمر سيل الدماء وتتزايد قوافل المهجرين والنازحين، ولا بد من اختراق حقيقي يوقف هذا النزف وينهي الأزمة، وهذا يحتّم على القوى الكبرى، لا سيما دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، التوافق وتقريب وجهات النظر حول الأزمة السورية، لوقف معاناة إنسانية لن يرحم التاريخ من يتفرجون عليها أو يزيدونها إشعالا.