بعد أكثر من عقدين من الحرب الأهلية الطاحنة في أرض الصومال، والتي لم تبقِ ولم تذر، أهلكت الأنفس والثمرات، ضعضعت الاقتصاد، وأذهبت الأمن، وجعلت من البلاد المركز الدولي الأول للقرصنة وأكثر الشعوب تلقياً للمعونات الإنسانية، بفعل المجاعة الطاحنة التي ما تكاد تختفي حتى تظهر للعيان مرة أخرى، مُدمية الضمير العالمي، بعد كل هذه المآسي التي عاشها الصومال، بدأ الأمل في واقع متغير يعتمل النفوس، بعد أن خطا الصوماليون أولى خطوات الانتقال إلى المجتمع المدني، بعد توافقهم وتدشينهم مرحلة إعداد الدستور، في أول خطوة بعد إسقاط نظام الرئيس سياد بري في العام 1991، ودخول البلاد في دوامة العنف وانعدام الأمن، بفعل سيطرة زعماء الحرب والميليشيات الإسلامية والعصابات والقراصنة.
نعم تمكّن الصوماليون من اختراق حلقة الفوضى عبر الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وهي قطعاً خطوة جبّارة في طريق الانتقال والعبور إلى بر الأمان المنشود، لكن الخطوة التي من شأنها إعطاء دفعة قوية ومقدّرة للعملية السياسية، تتمثّل في تسليم السلطات الانتقالية الصومالية الحكم إلى مؤسسات سياسية دائمة، وهي الخطوة التي من المنتظر أن تتخذ غداً الاثنين، في أولى خطوات مشوار الميل الذي ينتظر البلاد.
ولعل واقع الحال الجديد يفرض على كل الصوماليين، تقديم كل ما يلزم من تنازلات وتضحيات، في سبيل إعادة بناء الدولة، والتوافق على قواسم مشتركة، أُسها وأساسها الوطن، فما ينتظر الإنجاز ليس بالأمر الهين في دولة تحتاج البناء الجديد، من جيش ومؤسسات اقتصادية وسياسية وغيرهما، فضلاً عن أمن مفقود تتطلب استعادته تكاتفاً وتراصاً كبيرين، من أجل القضاء على كل مظاهر التسلّح، التي أضحت السمة الغالبة في الشارع الصومالي، ومحاصرة كافة أشكال القرصنة التي جعلت منه المركز العالمي الأول، وقضت مضاجع البلاد والمنطقة والعالم برمته.
فرصة أمام الصومال نحو بناء الدولة والمؤسسات، أمرٌ يتطلب التوافق على مصالح البلاد، مهما كانت الخلافات، كما على المحيط الإفريقي عبر جسمه الأكبر الاتحاد الإفريقي، الوقوف إلى جانب الصوماليين في مساعيهم، وتقديم كل أشكال الدعم، والمجتمع الدولي وما يملكه من كثير من مفاتيح قادرة على الدفع بالصومال إلى الانتقال نحو مرحلة الدولة.