ولّدت الحركات والثورات المتزامنة في العالم العربي خلال الفترة القليلة الماضية، حالة من التخلخل في أوضاع الدول التي طالتها المتغيرات الكبرى.
ورغم ما جلبته تلك الأحداث من إشكالات وظواهر تتجاوز بحسب الظاهر حدود المنطق لحركة التاريخ، وحالة الانفلات والفوضى في بعض الأحيان، إلا أن آمال الشعوب العربية لاتزال معقودة على قادم الأيام بحكم أن الكون والتاريخ البشري بجميع تفسيراته الجدلية يتجاوب طردياً مع الحركة، بينما ينبذ الجمود والتحجر حتى وإن بان فيه الرخاء وتشكل بصورة تدعو للإعجاب في بعض المحطات.
حين نتمعن في حال الدول العربية الشقيقة التي طالتها رياح التغيير، وبعيداً عن التفسيرات التي لا تخلو من حقائق لما دار فيها من أحداث، فإننا نجد من اللامعقول جمع ما آلت إليه الأمور فيها وإيجاد الحلول والمخارج لما تمر به من أزمات بوصفات جاهزة تخاطب الحس الجماعي مثلما يفعل بعض المنظرين الذين يرون الأمور بعين واحدة.
وكأنهم يتعاملون مع الشعوب العربية وبلدانها من منظور هوليوودي ساذج يرى الـ 300 مليون إنسان بثقافاتهم وأعراقهم وتاريخهم وتفاصيلهم الصغيرة وما مر ببلدانهم؛ يرى كل ذلك ببوتقة وانعكاس لصورة واحدة.
ولمعرفة بعض من تلك التحليلات التي يجب أن تخضع لقراءة واقعية، هو مقارنة ما يحدث في تونس ـ على سبيل المثال ـ وما يجري فيها من حراك دستوري وسياسي وتقديم الحلول والمخارج للأزمة السياسية والدستورية التي تمر بها؛ مع ما يجري ـ على سبيل المثال أيضاً ـ في اليمن، فترى بعضاً ممن لم يخرج من شرنقة «الدولة الأبوية» بكافة صورها ووجوهها المتعددة إيديولوجياً، يحاول تقديم الحل والدواء لكلا الدولتين والشعبين الشقيقين لعلاج مشاكلهما وكأن تونس واليمن أو غيرهما من بلدان الحراك لم تكتفِ من النظريات الشمولية التي أودت بمصائر الشعوب فيها إلى كوارث حقيقية نلمس واقعاً ودون عناء عشرات الأوجه من مظاهرها..
نعم يحق لأي إنسان التعبير عن رأيه والترويج لنظريته والمبادئ التي يؤمن بها، ولكن لا يحق لأي كان فرض مبادئه بالقوة حتى وإن كانت تلك المبادئ تحمل في جوهرها الخير والحق والعدالة.. آن الأوان لجميع المراقبين والمحللين السياسيين في منطقتنا أن يخرجوا من طور التحليل والحلول الشمولية والوصفات الجاهزة إلى فضاء الواقعية السياسية والتحليل العميق لمجتمعاتنا العربية والنزول إلى مستوى الشارع الذي لن يترك النخب تقوده كالقطيع مرة أخرى.