التقارير الواردة من سوريا حول الأوضاع الميدانية تتقاطع في أن القوات النظامية السورية تفقد المزيد من المواقع لصالح المنشقين الذين يقاتلون في الجيش الحر. في المقابل، جاء تشديد الرئيس بشار الأسد على أن سوريا تعيش «حالة حرب حقيقية» وأن كل سياساتها «موجهة للانتصار في هذه الحرب» يعزز من هذه الفرضية أن الوضع بات محرجاً للغاية، خاصة مع تصاعد مطرد في تداعيات إسقاط القوات السورية لمقاتلة حربية تركية وإدانة حلف شمال الأطلسي لهذا الاعتداء.
أمام هذا المشهد، تتوجه الأنظار إلى الاجتماع الذي سيتم عقده غداً في جنيف وتحضره دول أصدقاء سوريا إضافة إلى روسيا، التي قالت بالأمس على لسان مندوبها في الأمم المتحدة إنها «تعلق أهمية كبيرة على هذا الاجتماع».
وطالما أن هناك إرادة للحل بين موسكو والغرب فإن على دمشق أن تبادر هي الأخرى إلى دعم الحل السياسي حتى لو كان أحد بنودها يمس رأس النظام وبقاءه أو رحيله بعملية سياسية منظمة تبعد عن سوريا شبح الفوضى الذي يهدد بتحولها إلى ساحة حرب بين استخبارات الدول المعنية بالأزمة. لذلك فإنه آن الأوان ليرسل النظام السوري إشارات باستعداده للتضحية في سبيل الحفاظ على النسيج الاجتماعي الذي تعرض لضربات مؤلمة نتيجة المجازر التي شهدتها سوريا.
من دون هذه التضحية يبدو أن سوريا ستشهد مزيداً من مخاض الألم، وقد تذهب البلاد التي بناها السوريون جميعاً طوال عقود طويلة من الكدح والتضحيات إلى المجهول.
والخطاب الأخير للأسد بضرورة توجيه إمكانيات كل إدارات الدولة لدعم المجهود الحربي لا يبشر بأن التوافق السياسي الذي قد تتوصل إليه الأطراف الدولية وجامعة الدول العربية في جنيف سيكون له تأثير في الأرض إذا لم تكن مدعومة بوسائل تفرض على الأطراف السورية الالتزام بها، بغض النظر عن التنازلات التي ستجد هذه الأطراف نفسها أنها قدمتها في سبيل الحل، لأن البديل سيكون مكلفاً، ومكلفاً جداً.
فإذا تواصلت المكاسب التي يحققها المنشقون على أرض الواقع، واستمر تعرض نقاط القوة الرئيسية في النظام إلى ضربات، كالحرس الجمهوري، فإنه من غير المستبعد أن نشهد ركوب أطراف دولية على «انتصار ممكن» للمعارضة عبر التدخل في اللحظات الأخيرة بحيث لا يكون النصر من توقيع المعارضة، وبالتالي تكون سوريا -بمواليها ومعارضيها- دولة رهينة هذا الدعم الوهمي.