لم يكن مفاجئاً، أن نسمع بين الفينة والأخرى تأجيل انتخابات المجلس التأسيسي في ليبيا، فالوضع الأمني غير مستقر، وتناحر القبائل فيما بينها لا يزال يلقي بظلاله على المشهد السياسي في ليبيا، مما جعل تحديد موعد ثابت لهذه الانتخابات أمرا بعيد المنال، على الأقل في ظل هذه الظروف.

لم يكن إعلان عضو المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا، السبت الماضي، المرة الأولى التي تذاع فيها مثل هذه الأخبار، حيث تحدث من قبل رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل عن احتمال التأجيل أكثر من مرة، لتتوالى التصريحات فيما بعد بأن هذا شأن المفوضية العليا للانتخابات.

ومهما يكن من أمر فإن التأرجح وعدم الاستقرار على موقف محدد إزاء هذه الانتخابات، ما هو إلا انعكاس لما هو موجود على أرض الواقع من عدم التوافق، سواء داخل المجلس الانتقالي أو بين القوى السياسية في ليبيا، خاصة في ظل الدعوات التي تنادي بإقامة الفيدرالية على غرار إقليم برقة.

وهو ما فتح الجدل على مصراعيه حول فكرة إقامة نظام فيدرالي أو كونفدرالي، في بلد سيطر عليه فكر واحد لأكثر من أربعة عقود من الزمن، إذ لم يكن نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي يسمح بأي مشاركة سياسية للأحزاب، بل سعى دوما للحفاظ على ديمومة نظامه من خلال غرس مبدأ النزعة القبلية بين أبناء البلد الواحد.

لقد سعى كل مسؤول، سواء عرف باسمه أم لا، إلى أن يقدم تبريرات بشأن عملية التأجيل، وإن كان موعد هذه الانتخابات يبقى إلى هذه اللحظة مجهولاً، فعند أول تلميح له باحتمال إرجائها برر عبد الجليل موقفه بوجود طعون تقدم بها أشخاص مُنعوا من الترشح لعضوية المجلس, وهو سبب اعتبره مراقبون ضعيفاً ولا يشكل ذريعة قوية لتأجيل استحقاق كبير كهذا، كان يمكن لو تحقق في موعده أن يشكل سابقة في المشهد الليبي بعد إطاحة نظام العقيد، وأن يأخذ ليبيا ولو تدريجياً إلى مربع الاستقرار والتداول السلمي للسلطة.

التاسع عشر من يونيو الجاري كان يمكن أن يكون يوما تأسيسيا في ليبيا الجديدة, لكن الفوضى الضاربة القائمة الآن وغياب أي أفق سياسي، وتواضع ما يتوفر عليه أعضاء المجلس الانتقالي من خبرات وكفاءات، قد تأخذ ليبيا إلى خيارات أكثر خطورة مما هي عليه الآن.