وصلت الأزمة السياسية بالعراق إلى منعطف ينذر بدخوله في متاهات يصعب الخروج منها وإيجاد الحلول التوافقية لتجنبه مزيدا من الفوضى وعدم الاستقرار. فبدلا من الاحتكام إلى قواعد اللعبة الديمقراطية، لجأ الفرقاء من خلال الجدل حول سحب الثقة من رئيس الوزراء نوري المالكي، إلى اعتماد لغة التخوين والتهديد والاتهامات المتبادلة، ما أدخل العراق في خافق تداخلت فيه المواقف وضاعت مقاييس الركون إلى حلول توافقية.
ورغم أن الشعب العراقي هو الوحيد صاحب الحق الأصيل في تكريس زعامة المالكي أو سحب الثقة منه، إلا أنه يبقى اللاعب الوحيد الذي لا يستطيع أن يحرك ساكنا، فيما يمضي اللاعبون في الداخل، ومَن خلفهم من قوى الخارج، محركا أساسيا يعيد صياغة المشهد السياسي العراقي، وفقا لمعطيات ربما تكون بعيدة تماما عن رغبات صاحب الحق الأصيل وهو العراقيون أنفسهم.
فالأزمة الخانقة التي يعيشها العراق منذ أشهر، أدت إلى شل الحياة السياسية على كل الأصعدة تقريبا، بما فيها نشاط البرلمان. وطال الحديث عن سبل الخروج من الأزمة، ما يستدعي إجراء حوار وطني شامل، تشارك فيه كل الأحزاب والتيارات الفاعلة في المجتمع العراقي، بما فيها تلك التي لم تشارك في الحكومة الحالية، على أن يتناول الحوار المعضلات الحقيقية بصراحة، وأن يخرج الاجتماع ببرنامج وطني ملزم لكل الأطراف.
فأخطاء الحكومة الحالية وما رافق مسيرتها من إخفاقات، تتقاسم جميع القوائم السياسية الكبيرة مسؤوليتها، وتجاوز وإصلاح تلك الإخفاقات يتوقف على تكاتف واجتماع جهود جميع تلك القوى على الأهداف المشتركة. ولا يمكن حصر مسؤولية تلك الأخطاء بكتلة نيابية لوحدها، بل يجب تضافر كل الجهود لحل كل الملفات العالقة والاهتمام أكثر بمتطلبات المواطنين. فالمرحلة الحساسة التي يشهدها العراق، تستدعي تغليب المصلحة الوطنية العليا للعراق، وتناسي المصالح الفئوية والجهوية، خاصة تلك التي تأخذ بعدا طائفيا.
إن مسيرة التجارب السابقة في التعامل مع أزمات مماثلة، أثبتت إمكانية تجاوزها وإيجاد حلول لها بالحوارات واللقاءات الموسعة الصريحة، ومثال ذلك أزمة تشكيل الحكومة وتوحد القوى السياسية في قرار سحب القوات الأجنبية من البلاد، بينما لم تثمر سياسة الانقطاع بين الفرقاء السياسيين وقتها إلا مزيدا من التأزم وإنتاج الحملات الإعلامية المتشنجة، التي انعكست وقتها على عموم الأوضاع في البلاد.