منذ الإطاحة بالعقيد الليبي معمر القذافي وقتله، ونجاح ثورة 17 فبراير في تحقيق مبتغاها، تظهر بين الفينة والأخرى بعض الأحداث على الساحة الليبية التي تعكر صفو الفرحة بنشوة انتصار الشعب على حاكمه، فمن الاشتباكات القبلية المسلحة التي راح ضحيتها العشرات، إلى إعلان انفصال إقليم برقة، ثم المواجهات المسلحة التي يتكرر اندلاعها بين حين وآخر بين عناصر الأمن الليبي وبعض الكتائب المسلحة التي شاركت في الثورة، وترفض التخلي عن سلاحها، وتحمل مطالب خاصة بها أو ببعض أفرادها، والتي يصنفها المسؤولون العسكريون الليبيون تحت بند الانقلاب على النظام الجديد ومؤسساته السيادية وركائزه، لا سيما في ظل الانفلات الأمني الذي تعانيه بعض أو معظم مناطق الدولة.

ورغم الدعوات الداخلية والخارجية المتكررة إلى الهدوء وضبط النفس، و«الالتزام بالعملية السياسية لحل كل التظلمات التي يمكن ان يواجهها الثوار»، والوعود الرسمية لحل الخلافات مع تلك الكتائب أحياناً، والتعهد بالتصدي لها والقضاء عليها في أحيان أخرى، إلا أن الساحة الليبية لم تخلُ من مظاهر الانفلات الأمني تلك، والتي بدورها تترك آثاراً سلبية جمة على مختلف الأصعدة، ومن أبرزها الاقتصادية، حيث الخسائر التي تنجم عن الحوادث الأمنية المتكررة، والتي كان آخرها السيطرة على مطار طرابلس لبضع ساعات، وتجميد حركة الملاحة الجوية فيه، قبل أن تستعيد السلطات اللبيبة السيطرة عليه، فضلاً عن الآثار السياسية التي تتمثل في هواجس دول الجوار من انتقال حمى الانفلات الأمني إلى أراضيها، ناهيك عن الآثار النفسية التي يعيشها الليبيون وتحبط من عزيمتهم، وتثبط جهودهم في بناء ليبيا الغد.

والمحزن أن تلك المظاهر العسكرية والانفصالية، التي تقوم بها أطراف تكاثفت جهودها في السابق لإنجاح الثورة وإسقاط النظام الحاكم والقضاء عليه، هي تجعل اليوم الدولة الليبية التي تسعى جاهدة للنهوض من جديد، والمضي قدماً في طريق تتويج انتصار أبنائها على جلادهم، فريسة لاختلافات وخلافات قد تكون نتائجها كارثية ما لم يتم احتواؤها في أقرب وقت ممكن، إذ يبدو أن معركة إسقاط نظام القذافي كانت أسهل بكثير من معركة الحفاظ على استقرار وتوازن الدولة الليبية من بعده..!