يستأنف السودان وجنوب السودان المحادثات بينهما الثلاثاء المقبل، بعد تعليقها إثر المعارك والتوتر على الحدود المشتركة، لكن هذه المفاوضات مرهونة بالرغبة الأكيدة للطرفين في طي صفحة الخلاف، علماً بأن أصوات البندقية لم تحل يوماً دون تحكيم صوت العقل.
لذا فإنه يصعب أن تشهد هذه الجولة تقدماً يمكن البناء عليه، في غياب الحسم القاطع لملفاته الرئيسة، وهي الأمن والخلاف الحدودي. ويحار المرء في موضوعات هذه الجولة إن لم تكن هذه القضايا الشائكة، التي ربما تنسف جهود اللجنة الإفريقية رفيعة المستوى التي بذلتها مؤخراً. والسؤال: كيف ستبدأ هذه الجولة في ظل هذه الظروف والمواقف المتباعدة؟
ورغم ما يبدو من صعوبة عودة الجانبين إلى طاولة المفاوضات، بعد فاصل عنف علا فيه صوت الرصاص، فإن هناك محفزات قد تدفعهما لتغليب الحوار، لاسيما أن رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي جان بينغ، رحب بقبول جنوب السودان «خارطة الطريق» التي تبنتها المنظمة الإفريقية في محاولة لوضع حد للنزاع بين الدولتين، وهذا الترحيب تحديداً ربما يمهد لحوار جاد هذه المرة.
ويبدو أن الخرطوم وجوبا لا تمانعان في طي صفحة ملطخة بالدماء والأشلاء، بل إنهما أظهرتا حرصاً غير مشروط لاستئناف المفاوضات، من منطق حل الإشكال الأمني أولاً، فهو الذي يهدد بنسف الاستقرار بين الدولتين، ويحول دون التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، وما حدث في هجليج كان مؤشرا إلى خطورة النزاع الأمني بين البلدين. ولإعادة العلاقة إلى المسار الصحيح لا بد من توافق حول الملف الأمني، ثم البحث عن حلول لقضايا مثل النفط والتجارة وأوضاع مواطني البلدين.
فالسودان واضح في مطالبته بحسم الملف الأمني بما يشمله من انسحاب كامل من كل المناطق التي توجد فيها قوات جيش دولة الجنوب، وفك الارتباط مع بقايا الجيش الشعبي في جنوب كردفان والنيل الأزرق، فتهيئة الظروف لاستئناف التفاوض تتطلب تحقيق سلام واتفاق جديدين. هناك الكثير من العقبات التي تعترض مسار التفاوض، ولكن لا خيار لدى الجانبين سوى الاحتكام إلى العقل، والابتعاد عن الإملاءات الخارجية التي ساهمت بشكل كبير في تسخين الوضع بين جوبا والخرطوم.