لأن حركة التاريخ تسير وفق مؤثرات منطقية وخطوط انسيابية إذا ما قرأناها بعيداً عن التحليلات الميتافيزيقية، فإن المفاصل والمتغيرات الكبرى في تاريخ كل أمة أو شعب تبرهن على نسقٍ حركي يشرح للأجيال المقبلة تفاصيل التفاصيل في حياة أسلافهم، ولأن الشواهد في تاريخنا الحديث أثبتت تطلع الشعوب إلى فضاء الحرية وحقها في الحياة بجدارة حتى لو مقابل تضحيات كبرى، فإن ما حدث على أرض مصر وما يحدث الآن من انتخاب حر لرئيس يأتي عبر صناديق الاقتراع، يسير وفق هذا التدرج.

حين قامت الثورة المصرية نتيجة أسباب يعرفها العالم، كان الكثيرون يراهنون على بطء حراكها لينقلب تدريجياً إلى حالة من السأم وخمود نار الهمة لتفشل في تحقيق مطالب الشعب المصري، إلا أن إصرار أبناء وادي النيل على تحقيق المطالب التي قامت لأجلها الثورة وتضحياتهم ورفضهم لمقولة «إما أنا أو الفوضى» رغم ضريبتها الباهظة، كل ذلك أوصل مصر العروبة والتاريخ إلى يومها المشرق باختيار الرئيس الجديد.

على طاولة الرئيس المنتظر، ملفات بعضها لا ينتظر التأخير وهو يمس حياة الناس بصورة مباشرة، ألا وهو توفير الأمن والأمان، فأما الأمن الذي يظهر فقده بصورة جلية في ربوع مصر الغالية خلال الأشهر الماضية لعوامل يعرفها الجميع فهو على رأس الأولويات بصورة «الأمن العادل» الذي لا يعامل الشعب على أساس القمع وينتهك القوانين على مزاجه بحق الأبرياء، بل أمن ينظر للجميع بصورة واحدة، وأما المفصل الآخر «الأمان» فهو الأمر المرتبط بتوفير أقوات الناس والسعي لتأمين احتياجاتهم الأساسية، والأمران مرتبطان ببعض.

رغم الملفات الشائكة التي سيخوض غمارها رئيس مصر المنتظر داخلياً وخارجياً، ورغم أن لا أحد يزعم أنه يملك العصا السحرية لحل المشاكل مجتمعة، وأن إرضاء الناس غاية لا تدرك بمعنى الاختلاف، إلا أن كل ذلك لا يمنع أن يضع الرئيس القادم أمام أنظاره أن الشعب سيكون رقيباً لكل خطواته وربما حسيباً عليه إن حاد بطريقه عن المسار الصحيح.. فحركة التاريخ تقول إن شعب مصر وضع أولى خطواته في طريق الحرية والديمقراطية ولن يتنازل عنها.