ساعات تفصل مصر (أم الدنيا) عن استحقاق هو الأهم في تاريخها الحديث، حيث تجرى لأول مرة انتخابات رئاسية تعددية حقيقية لا يعلم أحد من الفائز فيها، لكن الجميع يوقن أن مصر الثورة هي الفائزة.
هذا الاستحقاق غير المسبوق الذي تعيشه مصر، رغم ما يشوبه من استقطابات وصراع أيديولوجيات، يؤكد الحقيقة الراسخة التي تشهد أن مصر باتت قاب قوسين أو أدنى من الانتقال نحو عهد جديد، تكون فيه «أرض الكنانة» في مكانتها الإقليمية والدولية التي تليق بها. غير أن ثمة تحديات تنتظر «مصر الثورة» لتعبر «اختبار الديمقراطية» أو «خط بارليف» الجديد، لتعود من جديد إلى سابق مكانتها.
على رأس تلك التحديات، إرساء دولة المؤسسات وتفعيل أركانها ودعمها من قبل كافة القوى، وأن تصبح رئاسة «الجمهورية الثانية» انعكاسا وتأكيدا لدولة المؤسسات باقتدار. كما أن الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتحديد مهامها وتصويبها نحو بوصلة الوطن، والسير بها بالتوازي لا بالتقاطع، أمر لا بديل عنه لبناء الدولة الديمقراطية الحديثة. فلا يمكن أن تقام دولة المؤسسات فيما السلطات متنازعة متناحرة، يريد كل منها أن تسطو على الأخرى أو تتعدى على دورها.
إلى ذلك، فإن مصر الثورة التي انصهرت في بوتقة ميدان التحرير تحت راية واحدة دون تمييز أو تفرقة، مطالبة بأن تنصهر أيضا في دستور يليق بها، وأن يأتي معبرا عن كافة طوائف المجتمع وفئاته وآماله وطموحاته، وأن يكون نتاج حراك مجتمعي تفاعلي لا يشعر أحدا بأنه أقصي أو همش، لكي يأتي دستورا معبرا عن توافق حقيقي ورؤية واضحة واستشراف للمستقبل الذي تصبو إليه مصر.
الطريق إلى مستقبل زاهر في مصر ليس معبدا بالورود، لكن مصر، وكما كانت في كل وقت، قادرة على المرور والنهوض من عثراتها بما تملكه من موارد بشرية ومادية وعمق حضاري ضارب في جذور التاريخ.
إن الاستحقاق الرئاسي يوجب على كل المصريين أن تتحول حناجرهم التي هدرت في ميدان التحرير، إلى جهود من أجل المرور بسلام من هذا الاستحقاق، والتحول إلى العمل والبناء الذي هو أصعب بكثير من الهتافات.