بأمعائهم الخاوية، وعزيمة لم تكسرها سطوة وظلم سجانهم، حقق الأسرى الفلسطينيون نصراً تاريخياً يُدون لهم في سجلات معاركهم الممتدة مع المحتل منذ عقود.. نصرٌ جاء عشية ذكرى أليمة يحييها الفلسطينيون في الخامس عشر من مايو من كل عام، ربما كان تحقيقه في هذه الليلة بالذات مصادفة، أو عن سبق إصرار، أو إحياء لذكرى نكبة توارثتها أجيال منذ العام 1948، ولا تزال مستمرة وحاضرة في أذهاننا جميعاً..

وفيما الأنظار تتجه نحو معتقلات الاحتلال الإسرائيلي، وبلوغ القلوب الحناجر خوفاً على حياة أسرى باتت الشهادة قريبة منهم بسبب تدهور صحتهم وعدم قدرة أجسادهم الهزيلة على تحمل مزيد من الألم ومن الإضراب، وافق الأسرى الفلسطينيون على إنهاء إضرابهم المفتوح، الذي خاضه بعضهم أكثر من شهرين ونصف، ووقعوا اتفاقاً مع مصلحة السجون الإسرائيلية في سجن عسقلان، يقضي بإخراج جميع الأسرى المعزولين من العزل الانفرادي، وحل ملف المعتقلين إدارياً إما من خلال تقديم لوائح اتهام بحقهم أو إطلاق سراحهم مع انتهاء حكمهم الإداري، فضلاً عن السماح لأهالي قطاع غزة بزيارة أبنائهم في السجون، وإنهاء تطبيق ما يسمى «قانون شاليط» الذي فرض بعد أسر المقاومة الفلسطينية الجندي جلعاد شاليط، وتحسين وضع الأسرى في سجون المحتل، وإعادة الحياة هناك إلى ما كانت عليه قبل العام 2000.

نصرٌ.. رأى فيه البعض دافعاً لبقاء قضية الأسرى أولوية وطنية وصولاً للحظة الفرحة الكبرى بالإفراج عنهم جميعاً، فيما اعتبره آخرون «نموذجاً مضيئاً أمام العالم بأسره» أثبت للجميع جدوى معركة الكرامة، التي أكدت أن الحقوق «تنتزع بالقوة لا بالاستجداء»، تنتزع بالمقاومة والعزيمة والإصرار، والصبر أيضاً.

نصرٌ.. رافقته موجة عارمة من الفرح سادت المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، زينتها أصوات زغاريد من أمهات الأسرى المتواجدات في خيام الاعتصام دعماً ومساندة لفلذات أكبادهن، وكللتها هتافات تكبيرات متتالية تعالت في مختلف البيوت والخيام، كتلك التي يجري ترديدها في الأعياد. فرحة عشناها جميعاً، ابتهالاً بإنجاز أبطال فلسطين، الذين أعلوا صوت المقاومة من خلف القضبان، وخففوا بعزيمتهم وطأة حزن الفلسطينيين في ذكرى نكبة ألمت بهم، ومازالت جراحهم منها تدمي قلوبهم وقلوبنا.