تجاوز الليبيون نظاماً جثم على الصدور أكثر من أربعة عقود، بعد أن دفعوا في سبيل ذلك أنهاراً من الدماء في حرب امتدت زهاء العام، أهلكت الموارد والاستقرار الأمني القائم على علاّته الكثيرة، لكنهم لم يستطيعوا بعد دفع مستحقات الاستقرار السياسي والاقتصادي المنشودين.

ولعل أكبر العقبات التي تواجه الحكومة الانتقالية الممسكة بمقاليد الأمور، هو استتباب الأمن في الشارع الليبي، وإيجاد موارد اقتصادية تعبد الطريق أمام تحقيق كل ذلك، فضلاً عن الحاجة إلى التوافق والتناغم التأمين بين المجلس الانتقالي والحكومة، مهام جسام تتطلب من الكل تنحية الخلافات جانباً والنظر إلى المصلحة العليا.

ولعل أول ما يجب النظر إليه يتمثل في إيجاد حلول فورية وعاجلة لمشكلة انتشار السلاح في أيدي قطاعات واسعة من الشعب، أمرٌ تسبب في عديد اشتباكات أزهقت أرواحاً بريئة وهزّت صورة الدولة، وهي أمور ربما تقود إلى تغلب لغة أخذ الحق والمطالب باليد عوضاً عن اللجوء إلى السلطة الحاكمة.

وربما ما يعزز هذا الاتجاه الهجوم الذي قاده ثوار سابقون مطالبون بمستحقات مالية على مقر الحكومة، ما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى في صفوف حرس المقر، وهو حادث يدق بالتأكيد نواقيس الخطر الداهم الذي يمثله السلاح المنتشر، أمرٌ يحتم على السلطات التحرك العاجل لحل هذا الملف كأولوية لبدء الاستقرار ومن ثمّ الانطلاق نحو التنمية المنشودة.

ويقع بالمثل على عاتق المحيطين الإقليمي والدولي مسؤولية مساعدة السلطات الليبية على تجاوز هذه المرحلة الدقيقة والحساسة، فلابد من دور عربي محوري في هذا الشأن سواء أكان سياسياً أو اقتصادياً على الرغم من انشغال معظم الدول المحيطة بالأحداث الداخلية التي أفرزتها حقبة الربيع العربي.

وكما كان المجتمع الدولي سبّاقاً إلى الوقوف بجانب الثورة الليبية حتى أسقطت نظام القذافي تقع على عاتقه الآن مهام لا تقل أهمية لعل أكثرها حتمية الإفراج عن الأرصدة الليبية المجمدة، فضلاً عن واجبها في مساعدة أجهزة الأمن الليبية عبر تدريبها حتى تتمكن من بسط الاستقرار.

وعلى الرغم من كل هذه المتطلبات الملحة إلا أن أكثرها إلحاحاً اصطفاف الليبيين إلى جانب حكومتهم ومساعدتها على القيام بواجبها ودفع استحقاقات المرحلة، حتى تتمكن البلاد من النهوض وشق طريق التقدم والرفاه.