لم يكن أحد، إلى عهد قريب، يؤمن بقدرة العرب على تحويل مسارهم السياسي وإحداث تغيير جذري في أنظمة حكمهم، ليس فقط باقتلاع رؤساء ظلوا متربعين على عرش السلطة لعشرات الأعوام، بل باتت مشاركة الشعب وتفعيل كلمته واقعاً ملموساً، بعد أن أزال ما يعرف بـ«الربيع العربي» هاجس الخوف الذي كتم على أنفاس الشعوب العربية لأعوام طوال.

إن سقوط أنظمة عربية على غرار ما حدث في تونس ومصر واليمن وليبيا، جعل من شعوب الوطن العربي قوة مؤثرة، ليس فقط على المستوى الداخلي، بل حتى على المستوى الخارجي، إذ ساهم «الربيع العربي» في تغيير معالم خريطة العلاقات الدولية، والتأثير حتى داخل بعض الدولة الغربية ذاتها، بعد أن كشفت الثورات العربية عن حقائق غابت عن الشعوب الأوروبية والعربية لفترة طويلة، منها أن أوروبا ليست جنة على الأرض.

كما يتوهم بعض الشباب العربي، حيث تمارس على أرضها انتهاكات ضدهم على أساس ديني وعرقي. ومن جانب آخر تبين للأوروبيين أيضاً، بعد الربيع العربي، دعم قادتهم للأنظمة المنهارة في الدول العربية، وهكذا لم تعد أوروبا تحتكر الحرية والديمقراطية في دول البحر المتوسط.

ويبدو جلياً أن المتظاهرين المصريين الذين أطاحوا بنظامهم في 18 يوماً، أكثر تأثيراً من الإيطاليين أو الألمان أو الصرب، أو حتى الفرنسيين الذين أدلوا بأصواتهم، أمس، في الدور الثاني من انتخاباتهم الرئاسية.

لم يكشف الربيع العربي عن الانقسام بين جانبي البحر الأبيض المتوسط فحسب، وإنما عن الروابط عبره والجسور الأكثر وضوحاً، عبر ملايين الأوروبيين العرب الذين يواجه كثير منهم نفس الإحباطات التي يشعر بها أقاربهم على الجانب الآخر. لقد شهدت القارة الأوروبية، أمس، حمى انتخابات تاريخية، انطلاقاً من فرنسا التي شهدت الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، مروراً بالانتخابات التشريعية في اليونان وكذا صربيا، والانتخابات البلدية في إيطاليا.

من المؤكد أن العرب اليوم أصبحوا قادرين على لعب دور حاسم في إحداث تغييرات جوهرية في قلب أوروبا المقبلة على تحولات سياسية تاريخية بعد أن أدرك زعماؤها أن عليهم الالتفات إلى التحوّلات السياسية الجارية في بلدان الربيع العربي، والإصغاء إلى مطالب شعوبها وممثليهم الحقيقيين.