لم يكن لدى الأسرى الفلسطينيين من خيار أمام تعطل عملية السلام، واستمرار احتجازهم بأحكام غير منطقية، وعدم وضوع المستقبل بالنسبة للدولة الفلسطينية المستقلة، سوى خوضهم معركة الأمعاء الخاوية، رغم المخاطر التي تنطوي عليها من احتمالات مفارقة الحياة.
وهذه المعركة التي أعادت للقضية الفلسطينية بعض الاهتمام الإعلامي، وذكّرت الناس بأن هناك شعباً واقعاً تحت الاحتلال، وأن الآفاق أمامه باتت مغلقة، لا يمكن أن تكون إلا خياراً أخيراً لجأ إليه المعتقلون بعد أن يئسوا من إمكانية حل مشكلتهم بالطرق التفاوضية.. وهم يصنفون ضمن المعتقلين السياسيين أو معتقلي الضمير، الذين لا يجوز احتجازهم بأي شكل من الأشكال.
تحتل قضية الأسرى حيزاً مهماً من القضية الفلسطينية، فجزء كبير من الشعب الفلسطيني دخل المعتقلات لفترات متفاوتة، ومنهم من قضى معظم عمره داخلها، ومنهم من لم يخرج إلا إلى القبر، ولا توجد عائلة فلسطينية لم يختبر أحد أبنائها هذه التجربة المرة، ولذلك تعد هذه القضية القاسم المشترك الذي يشعر به جميع الفلسطينيين، بمختلف انتماءاتهم وتلاوينهم السياسية والعقائدية.
ولذلك لابد من الاعتماد على هذه الصحوة التي تسببت بها أمعاء الأسرى الفلسطينيين والبناء عليها، لخلق حالة استنهاض شعبية جديدة، من شأنها أن تعيد القضية الفلسطينية إلى دائرة الضوء، باعتبارها القضية الأولى للعرب والمسلمين. ولقد حاولت الحكومات الإسرائيلية طوال السنوات السابقة بعد انتفاضة الأقصى أن توصل الفلسطينيين إلى حالة من اليأس والقنوط وانسداد الآفاق، مقابل فرض الأمر الواقع على الأرض، بغية إجبار الفلسطينيين على القبول بالفتات من الحلول التي تطرحها الحكومات اليمينية المتطرفة.
والتي تفرغ القضية من مضامينها، وتحول الفلسطينيين إلى أقلية منزوعة الأظافر في معازل وكانتونات منفصلة تعيش تحت رحمة الاحتلال ومستوطنيه، وصولاً إلى مرحلة التهجير الهجرة طوعاً وإفراغ فلسطين من أهلها. ولاشك أن هذه البرامج التي تسعى حكومات إسرائيل إلى تنفيذها، لن تجد لدى الشعب الفلسطيني سوى المقاومة والإصرار على الحياة والتشبث بالأرض مهما غلا الثمن، فالتجربة الفلسطينية أثبتت دائماً أن إرادة الشعب أكبر من كل مخططات العدو مهما طال الزمن أو قصر.