لا يزال المؤتمر العراقي الموحد بين الشد والجذب، حيث إنه بالرغم من إعلان جميع القوى السياسية حرصها اللفظي على اللقاء وتدارس الأوضاع بغية الوصول إلى توافق، إلا أنها عجزت عن الاتفاق على موعد المؤتمر وجدول أعماله، ما زاد من لهيب الأزمة المستعصية التي سببتها سياسة المحاصصة والركض وراء المصالح الفئوية، بعيداً عن التفكير في مصالح الوطن والشعب العليا. فإلى متى تستمر هذه الأزمة؟ وماذا ينتظر الفرقاء السياسيون لتجاوز خلافاتهم والنظر لمستقبل العراق وشعبه؟
لقد كانت الاستراتيجية الأميركية بخصوص العراق، مبنية على أساس المحاصصة الطائفية والديمقراطية التوافقية، بهدف وضع الحواجز بين مكونات المجتمع وتشجيع الانتماءات الضيقة والخاصة على حساب الانتماء الوطني المشترك، كخطوة متقدمة لإشعال فتيل الفتنة الطائفية والقومية كلازمة من لوازم تفتيت العراق اجتماعياً وسياسياً، سعياً لتقسيمه جغرافياً عبر مشاريع وضعت بذورها ضمن الدستور الذي كتب في ظروف مرحلية انتقالية خاصة.
واليوم بعد وصول الأمور إلى ما هي عليه من سوء، لم يعد أمام البلاد سوى طريق واحد، وهو أن تلتقي القوى المتنفذة لتتبادل التنازلات المطلوبة لحل الإشكالات القائمة، انطلاقاً من الشعور بالمسؤولية الوطنية العليا أمام الشعب والوطن. فهل سيستجيب من في يدهم الأمور إلى هذا الذي يطالب به الرأي العام على نطاق واسع، أم يستمرون في تجاهل ذلك وتعريض البلاد إلى مخاطر تطورات لا تحمد عقباها؟
إن العملية السياسية في العراق لا يمكن أن تنجح وتستقر دون توافق سياسي بين مختلف المكونات السياسية، وأسلوب الإقصاء والتنافر لن يقود العراق إلا إلى المجهول. لذلك فإن على الإخوة العراقيين، سنة وشيعة، عرباً وأكراداً، أن يوحدوا صفوفهم ضمن إطار خيمة العراق العربي المسلم، البعيد عن التغول الطائفي والمحاصصة المذهبية، والإقرار بأن المجتمع العراقي يضم العديد من المكونات القومية والدينية والمذهبية والفئوية، وأن السلطة فيه لا بد أن تكون بمشاركة الجميع بلا إقصاء أو تهميش.
إن الإقرار بهذه الركائز والالتزام بها عملياً وإشاعة ثقافة الوئام والبناء، هو السبيل الوحيد الناجع لإفشال مخططات التقسيم والتفتيت والنزاعات التي تستهدف العراق وأمنه واستقراره.