تعصف بالعراق هذه الأيام أزمة تتبدى في عدة مظاهر، كلها تهدد وحدة هذا البلد واستقراره وأمنه وسلامة أهله. ولاشك في أن محورية العراق في معادلة المنطقة تجعل مثل هذه الأحداث مصدر توتر، ليس للعراق وحده فحسب، بل تهدد عموم المنطقة، التي آخر ما تحتاجه في هذه الفترة بؤرة توتر جديدة ومزمنة. ولعل السبب يعود في ذلك إلى انعدام الثقة بين مكونات الكيان العراقي، والناتجة أصلاً عن غياب حوار جدي بعد خروج القوات الأميركية وتسليم العراقيين كافة السلطات والصلاحيات.

ثمة أسس لا ينبغي تجاوزها لبناء أي حوار داخلي وإجراءات ثقة، ومنها عدم العبث بمرتكزات الكيان العراقي الذي اتفقت جميع المكونات على أنه وطن لجميع العراقيين، ومنها استغلال أي جهة أو طرف لسلطات من أجل فرض أمر واقع بمعزل عن رأي القوى الأخرى. ومنها أن لا يتم إقصاء أي طرف مهما كان صغير الحجم، لأن جوهر الديمقراطية هو حماية حقوق الأقلية، وليس تكريس هيمنة الأكثرية.

يتمتع العراق بموقع استراتيجي مهم، وبثروات لا تقل أهمية، وبدور تاريخي محوري، ولكن شرط تفعيل هذه المميزات هو الاستقرار السياسي والأمني، وهو ما يحاول أعداء العراق أن يعبثوا به، وأن يجردوه من جميع عوامل قوته، وتحويله إلى مرتع للفساد والعنف والفشل.

المطلوب في هذه المرحلة المصيرية التي تواجه العراق، وقفة جدية تتجاوز فيها جميع الأطراف العراقية مصالحها الحزبية والمناطقية، والتركيز على المصلحة العليا التي من دونها لن يكون لهم جميعاً أي قائمة.

العراق بحاجة إلى جهود جميع أبنائه في مرحلة البناء التي يحتاج إليها في هذه الأيام أكثر من حاجته لأي شيء آخر، وتغليب المصلحة الوطنية على الأجندات الخارجية الإقليمية، هو المخرج للجميع من هذا النفق المظلم الذي طال أكثر من اللازم.

لابد للعراقيين من أن يتحدثوا إلى بعضهم، وأن يبتعدوا عن منطق التخوين والتشكيك وانعدام الثقة، لأن الثقة هي الكلمة السحرية التي تنفتح لها جميع الأبواب المغلقة.