أوجه الاختلاف متنامية في طريقة التعاطي مع قضية انعقاد المؤتمر العراقي، إلى حد أصبح هذا المؤتمر وكأنه مشكلة أخرى مضافة إلى المشاكل المتناسلة بين القوى السياسية، فيما يتفرج أبناء الشعب العراقي على تفاصيل منه لم تنتهِ، وعلى آراء أصحاب له لم تتبلور، وعلى جدل يجري، لا يفضي بأي حال من الأحوال إلى نجاحه في وضع النقاط المطلوب وضعها على الحروف، عاملاً أساسياً لإيصال سفينة العراق إلى شاطئ الأمان.

الكثير من اللقاءات والمحاولات جرت من أجل إيجاد صيغ للتفاهم بين أطراف السياسة العراقية، ولكن كل ذلك لم يكن يلج إلى جوهر المشكلات الحقيقية، فكانت اللقاءات تنتج صيغاً للتراضي لا تستند إلى أُطر قانونية يمكن الوثوق بها، ما أفقدها القدرة على الصمود؛ فلم يكن ما يجري سوى محاولة لتطويق الأزمة وليس حلها من أجل ضخ الأوكسجين إلى جسد العملية السياسية.

لذا فإن من الأمور التي يلزم توفرها لدى المتتبع للشأن العراقي هي، القدرة على فرز الألوان المتداخلة في لوحة المجتمع العراقي، وحل الألغاز السياسية المتواصلة في التعامل السياسي، وفك الرموز السياسية المتباينة. عندها فقط، يمكن أن تُدرك الحقيقة، وتتضح خطوط القوى المتقاطعة، والتي تهيمن على الوضع السياسي العراقي القائم.

ويبقى الاستقرار السياسي الذي يقود غالي السكينة، يشكّل الميزة الكبرى، لاسيما في فترات الأزمات، وبشكل خاص في الدولة ذات الخلفية الديمقراطية البرلمانية الحديثة كالعراق. والاستقرار لا يعدّ استقراراً إلا إذا كان استقراراً سياسياً، واقتصادياً واجتماعياً، ونفسياً، ضامناً للحريات العامة والعدالة الاجتماعية في وقت واحد.

فإذا كانت التشكيلات السياسية صادقة في إصرارها على الخروج من قاعة المؤتمر الوطني القادم في بغداد وهي محملة بقرارات تبشر العراقيين جميعاً بالخير القادم، وبحل مشاكلهم ، عندها ستجد أن الأرضية جاهزة لحل كل مشاكل العراق وشعب العراق، وأما استمرارها على ما هي عليه من فقدان الثقة الوطنية الصادقة المتبادلة، والإرادة السياسية الوطنية الحرة المستقلة، فإن كل شيء في العراق سوف يبقى على حاله، ويستمر على ما هو عليه، بل وأسوأ.