لقد كشفت السنوات التسع من غزو العراق، عن الكم الهائل من الفواتير المتراكمة، والتي ينبغي لسكان هذا الوطن القديم تسديدها.
خلافات سياسية ازدادت حدة، بعد أن غابت المصالح الوطنية وجاءت محلها مصالح ضيقة، حيث إن المنهج الذي سلكته الكتل والتيارات بمختلف مشاربها، لم يوفق في التمهيد لإعادة بناء هذا الوطن المنكوب، ولم تتمكن تلك الكتل من الاتفاق على عقد اجتماعي جديد، يعيد للعراق حيويته ومكانته التي تليق به وبتضحيات سكانه، وإمكاناته المادية والبشرية الواعدة، إذ ما زالت حالة المد والجزر تسيطر على العملية السياسية، ما يعكس عمق الصراع وحالة انعدام الثقة بين الفرقاء الذين أظهروا للجميع أنهم لا يبالون بمستقبل العراق.
لم يكن كثيرون يتوقعون أن تتدهور الأوضاع السياسية في العراق بالسرعة التي رأيناها خلال الأسابيع القليلة الماضية، إذ معظم المتابعين يتصورون أن الساسة العراقيين قد تعلموا من تجربة السنوات التسع الماضية، وأنهم سينتظرون ولو قليلاً بعد انسحاب القوات الأميركية، قبل أن يفجِّروا خلافاتهم السياسية والدينية والمذهبية المستعصية. إلا أنهم في الحقيقة صدَموا الجميع، ولم يظهروا أنهم مستعدون للتضحية من أجل التعايش وبذل الجهد لإيجاد الحلول اللازمة، وغير المستحيلة.
التقاء الفرقاء السياسيين أصبح ضرورة وطنية لحل المشكلات المستعصية، ليس فقط بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان أو بين «دولة القانون» و«العراقية»، وإنما يجب التحاور بهدف رسم طريق توافقي واضح لعراق ما بعد خروج الاحتلال. وعلى مشارف مؤتمر وطني جامع، فإن المطلوب أعمق من لقاء يتصالح فيه المتخاصمون، فهناك حاجة لأن يحترم القادة جميعاً، مواد الدستور ويلتزموا بالقوانين بكل تفاصيلها، كي يؤسسوا لدولة سيادة القانون التي ينادون بها، لأن أضرار التناقض والتناحر قد أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار.
كذلك فإن الفهم المشترك للمشكلات العالقة، يجب أن يكون له الدور الأكبر في فتح الباب أمام الوحدة والبناء والتماسك، ليستعيد العراق دوره ومكانته اللائقة بتاريخه وبإمكانياته المادية والبشرية الهائلة، عربياً وإقليمياً وعلى المستوى الدولي. ولن يتحقق ذلك ما دام العراقيون غارقين في خلافاتهم الداخلية وصراعاتهم السياسية، أياً كان لبوسها؛ طائفياً أو عرقياً أو غير ذلك.