من الواضح أن المخاض الديمقراطي في مصر وليبيا وتونس واليمن يعبِّر عن تراكمات عقود من الاستبداد، في ظل أنظمة ألغت الآخر، واستبدلته بالمصفقين والمؤيدين.

وما يجري حالياً في ليبيا خصوصاً، وبدرجة أقل في مصر، من شأنه أن يجعل البعض يقولون إن الأنظمة السابقة على علاتها أفضل من الوضع الحالي الذي بدأت تتفجر فيه المشكلات الإثنية والطائفية، ولكن المتمعن في المشهد يجد أن هذا الطريق هو ممر إجباري للعبور إلى الديمقراطية الحقة.

لم تعتَدْ الشعوب العربية التي خضعت لأنظمة شمولية عبْر عقود طويلة، على الحوار وقبول الآخر، ولذلك تبدو المشاكل الاجتماعية والإنسانية المؤجلة والنائمة تحت غطاء الديكتاتورية السميك، وكأنها وجدت متنفساً للتعبير عن نفسها، والسبب في ذلك ليس الديمقراطية أو الثورات، بل المشاكل المؤجلة التي لم يتم حلها في ظل الأنظمة البائدة.

ولكن، وكما تعلِّمنا تجارب الشعوب، فإن مراحل عدم الاستقرار التي تصاحب التحولات في الأنظمة الشمولية، قد تستمر حيناً من الوقت، ولكنها لا تستمر طوال الوقت، فالديمقراطية وقبول الآخر بحاجة إلى تجربة ومران واعتياد.

وقد رأينا في تجربة «الربيع العربي»، أن مسألة عدم الاستقرار تتناسب طرداً مع شدة القمع، فكلما كان النظام أكثر ديكتاتورية ودموية، كانت المشاكل اللاحقة بعد سقوطه أكبر، والعكس بالعكس. ليست الديمقراطية وصفة جاهزة تؤخذ حرفياً، حسب تعريفها الأكاديمي، ولكنها في العصر الحديث تحولت إلى ممارسة سياسية تعني في جوهرها أن تكون السلطة في خدمة الشعب، وأن تكون معبِّرة عنه بمعزل عن الشكل، سواء أكان انتخابياً أو شورياً، أو كما هو مأثور في تراثنا العربي الإسلامي أن العدل أساس الملك.

لكل بلد ظروفه وخصوصياته، ولابد لحالة عدم الاستقرار التي تعيشها ليبيا خصوصاً أن تنتهي، ولكن في مثل هذه الظروف لابد من تحكيم العقل، وتطويق أي نزعات تهدد الأمن والاستقرار، بأقل قدر من الخسائر، حتى تمر مرحلة العبور إلى الديمقراطية والعدالة بأمان.. لأن هذا المصير هو الطريق الإجباري الوحيد الذي يوصل إلى التقدم والتنمية ورفاه الشعوب.