ما يلبث أن يهدأ صوت الرصاص من هنا حتى يعلوا دويه من هناك، إنها الاشتباكات المعتادة بين ثوار كذا وثوار كذا بين الفينة والأخرى في ليبيا، هذا بعد أن كانوا في زمن ليس ببعيد يعرفون بثوار ليبيا. الذين ساهموا بدمائهم في إسقاط نظام القذافي، هذه المرة الشعب الليبي لا يواجه الطاغية، ولا رجال النظام، ولا السلطة المؤقتة، إنما في هذه المرحلة بالذات من هذا التحوّل التاريخي، فإن المجتمع الليبي يواجه نفسه، ويقابل بعضه بعضاً ويسلك أبناءه مسارات ملونة بالعنف الهمجي دون أن يمتلكوا في ذات الوقت أدوات لإدارة الاختلاف والتنوع.
بالتأكيد هذه التصرفات والأفعال هي تصرفات فردية لا تمثل كل الثوار، لكنها تجعل الحكومة المؤقتة في موقف ضعيف خارجياً، الأمر الذي يجعلها في وضعية صعبة تكون فيها غير قادرة على أن تملي شروطها أمام أبنائها.
لذلك يجب وقف الانتهاكات التي تؤذي الشعب الليبي قبل أي شيء، وعلى الحكومة أن تكون أكثر صرامة تجاهها. فيما يتوجب على رجال القبائل والسياسيين القيام بمبادرات لتأطير حوار وطني عام من خلال المؤتمرات والندوات في كل ربوع الوطن، لمناقشة القضايا الكلية المرتبطة بشكل الدولة المقبلة وملامح المشروع الوطني والمساهمة بالتالي في تحقيق انتقال آمن وسلس نحو الدولة الدستورية.
وقد يسهم أيضاً في حلحلة القضايا الرئيسية أن يتم صياغة مبادئ فوق دستورية عامة الغرض منها تضييق دائرة الخلاف حتى لا تكون الإجراءات المتعلّقة بصياغة الدستور وإقراره من خلال الاستفتاء موضعاً للنزاع والمغالبة.
فالشعب الليبي الذي عانى الويلات من النظام السابق يحتاج إلى إرساء قواعد التعايش السلمي ونشر ثقافة السلم الأهلي والوحدة الوطنية من أجل الخروج من الوضع الانتقالي الراهن بكل محاذيره ومخاوفه وحتى أخطاره إلى مرحلة الاستقرار والبناء من أجل الوصول إلى المرحلة الحلم، مرحلة سيادة القانون والعدالة الاجتماعية.
وذلك لن يتحقق إلا بتحقيق المصالحة الوطنية وإرساء قواعد العدالة الاجتماعية على كل الأصعدة ومختلف المستويات، ويمكن القول بداية أن أساس العدالة الانتقالية هو إنصاف المظلومين ومعاقبة الجناة، مع توفير المحاكمات العادلة لهم بكل شروطها وأركانها، وتعويض المتضررين وإعادة الحقوق إلى أصحابها وإصلاح مؤسسات الدولة.