خطت مصر خطوة أخرى نحو الانتقال إلى الجمهورية الثانية، إثر تحديد معايير اختيار اللجنة التأسيسية المنوطة بها كتابة الدستور الجديد، الذي يأتي في أعقاب ثورة لم تبهر العالم فحسب، وإنما ألهمته السبيل الصحيح للتعبير السلمي الحضاري.
ويجب أن يأتي دستور مصر كثورتها، معبرا عن مصر بكامل أطيافها، فثورة مصر لم تفرق بين مسلم وقبطي أو بين رجل وامرأة أو بين شيخ وشاب، وإنما كانت بوتقة انصهر فيها الجميع من أجل هدف واحد هو ابتعاث مصر مجددا.
حين اجتمعت الكلمة في مصر بين كافة أطيافها دون تمييز بين جنس أو لون، ظهرت «أم الدنيا» برونقها ومكانتها، وحين تفرقت الكلمة، واختلف الفرقاء، وتباعدت المسافات وصار اللقاء عبر الفضائيات، ظهر التناحر بين الجميع، وغابت روح مصر الثورة.
إن كافة القوى السياسية المصرية مدعوة لأن تعود إلى روح الثورة، وتستبق كتابة الدستور باسترجاع روح «قلب العاصمة» ميدان التحرير، الذي صهر الجميع في بوتقة واحدة، لم تكن هناك راية سوى راية مصر التي نريد، والتي نتطلع إليها. وانطلاقا من هذه الروح، يجب أن يأتي الدستور المصري ليؤسس جمهورية ثانية على قواعد تعبر عن هوية وإرادة المصريين جميعا.
ولعل الوثيقة التي أطلقها الأزهر الشريف وتوافقت عليها كافة القوى، تكون مهدا لهذه القواعد، التي تنطلق من دولة وطنية دستورية ديمقراطية حديثة، تعتمد دستورا يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة، ويحدد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة. كما أن الدستور يجب أن يقر ويحترم منظومة الحريات الأساسية في الفكر والرأي، وحقوق الإنسان والمرأة، إضافة إلى التأكيد على مبدأ التعددية واحترام الأديان السماوية، واعتبار المواطنة مناط المسؤولية فى المجتمع.
إن مصر على أعتاب مرحلة فارقة في تاريخها، فيجب أن تكون اللجنة المنوط بها صوغ الدستور، قادرة على التعبير عن آمال مصر الثورة، وأن يأتي الدستور معبرا عن الهوية المصرية العربية الإسلامية الأصيلة، التي لا مكان فيها للفرقة، وإنما الوحدة هي عنوانها والجوهر.