الأحداث التي شهدتها ليبيا في الفترة الأخيرة تدعو محبي الخير لهذا البلد إلى القلق، فبعد تناقل وسائل الإعلام أخبار اشتباكات قبلية عنيفة في جنوب ليبيا، شهد معبر رأس جدير على الحدود مع تونس اشتباكات بين قوات حكومية ليبية وبين مجموعة مسلحة شاركت في إسقاط معمر القذافي.
وهناك إشارات أخرى مقلقة تأتي من العاصمة طرابلس، فبعض المجموعات المسلحة طورت مصالح بعد سقوط القذافي وترفض التخلي عنها في الوقت الحالي، مما يجعل الأعباء التي تواجهها الحكومة مضاعفة في ظل مساعيها لإعادة الاستقرار والنشاط إلى قطاع الخدمات الذي تعطل بسبب الحرب.
إن من أهم القضايا الملحة على ليبيا اليوم هي إعادة دمج الثوار بالمؤسسات الحكومية لتفادي تحولهم إلى قوة معرقلة للنهوض السياسي والاقتصادي، فالثائر الذي خاطر بحياته لإسقاط الدكتاتورية لا يرضى أن يعيش بدون وظيفة. وهنا، فإن الإطار الأنسب للاستفادة من الثوار، في حال لم تتمكن المؤسسات الأمنية والعسكرية استيعابهم بشكل كامل، هو أن يتم تنظيمهم في حزب سياسي خاص بهم، يمكنهم من خلاله خوض الانتخابات ورفع تظلماتهم إلى الجهات السياسية بطرق شرعية بعيدة عن لغة العنف التي يجب أن تنتهي مع انتهاء النظام الذي قام على أساسه.
الثوار هم أكثر من لديهم القدرة على الإسراع بعمل أجهزة الدولـــــــة والمساعدة في وقوفها على قدميها في جميع المناطق، وخصوصاً المناطق الحدوديـــة. والجدير أن من شأن المغالاة في بعض الطلبات في هذه المرحلة الحساسة أن يفاقم المشاكل التي تواجه الحكومة الفتية، وهو ما يمكن أن يؤثر على مجرى الاستعدادات للانتخابات التشريعية الأولى من نوعها التي ستشهدها ليبيا في يونيو المقبل.
زعماء المجموعات المسلحة التي لم تندمج حتى الآن في المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية، مدعوون إلى الحفاظ على صورتهم التحررية التي قدموها إلى الليبيين والعالم، وتجاهل ذلك سيكون له أثر سلبي ليس فقط على أفراد المجموعات المسلحة التي قاتلت القذافي، بل في طريقة إسقاط القذافي بحد ذاتها، مما يعني أن عليهم مسؤولية أمام الثورات غير المكتملة للربيع العربي باعتبارها أحداثاً مترابطة ومتشابهة في العديد من الجوانب.